الحمد لله رب العالمين،- والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً.
مربنا في أول سورة آل عمران قوله تعالى: (( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ) ).
والميل إلى النساء أمر طبعي ركبه الله- عز وجل في غريزة الإنسان، وما دام أنه في الحلال كالزوجة وما ملكت اليمين، وأنه لم يصد عن طاعة الله- عز وجل-، ولم يدفع إلى فعل محرم؛ فإنه أمر لا يعاب عليه الإنسان، بل هو من الأمور المطلوبة في غض البصر وتحصين الفرج وبقاء النسل، والتقوي بذلك على طاعة الله عز وجل، وقد قا صلى الله عليه وسلم: (( حبب إلي من الدنيا: النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة ) ) [1] .
وقد فصل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
الفرق بين الحب في الله والحب مع الله تفصيلاً يكشف حقيقة المحبة، ومتى تكون فتنة؟ ومتى لا تكون؟! قال- رحمه الله تعالى-: (والفرق بين الحب في الله والحب مع الله، وهذا من أهم الفروق، وكل أحد محتاج بل مضطر إلى الفرق بين هذا وهذا، فالحب في الله هو من كمال الإيمان، والحب مع الله هو عين الشرك، والفرق بينهما: أن المحب في الحب تابع لمحبة الله، فإذا تمكنت محبته من قلب العبد أوجبت تلك المحبة أن يحب ما يحبه الله، فإذا أحب ما أحبه ربه ووليه كان ذلك الحب له وفيه؛ كما يحب رسله وأنبياءه وملائكته وأوليائه لكونه- تعالى- يحبهم، ويبغض من يبغضهم لكونه- تعالى- يبغضهم.
وعلامة هذا الحب والبغض في الله: أنه لا ينقلب بغضه لبغيض الله حباً، لإحسانه إليه، وخدمته له، وقضاء حوائجه، ولا ينقلب حبه لحبيب الله بغضاً إذا وصل إليه من جهته ما يكره ويؤلمه، إما خطأً وإما عمداً، مطيعاً لله فيه أو متأولاً، أو مجتهداً أو باغياً نازعاً تائباً.
والدين كله يدور على أربع قواعد: حب، وبغض، ويترتب عليهما: فعلٌ وترك، فمن كان حبه، وبغضه، وفعله،وتركه لله، فقد استكمل الإيمان؛ بحيث إذا أحب أحب لله، وإذا أبغض أبغض لله،وإذا فعل فعل لله، وإذا ترك ترك لله، وما نقص من أصنافه هذه الأربعة نقص من إيمانه ودينه بحسبه، وهذا بخلاف الحب مع الله فهو نوعان: [نوع] يقدح في أصل التوحيد: وهو شرك، ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله، ولا يخرج من ا لإسلام.
فالأول:
كمحبة المشركين لأوثانهم وأنداد هم قال تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ) ) [البقرة:165] .
وهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم آلهتهم مع الله كما يحبون الله، وهذه محبة تأله وموالاة، يتبعها الخوف والرجاء، والعبادة والدعاء، وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله.
ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها، وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم؛ وبذلك أرسل الله جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وخلق النار لأهل هذه المحبة الشركية، وخلق الجنة لمن حارب أهلها وعاداهم فيه وفي مرضاته؛ فكل من عبد شيئاً من لدن عرشه إلى قرار أرضه فقد اتخذ من دون الله إلهاً وولياً، وأشرك به كائناً ذلك المعبود ما كان، ولا بد أن يتبرأ منه أحوج ما كان إليه.
والنوع الثاني:
محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين، والذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث، فيحبها محبة شهوة، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، فهذه المحبة ثلاثة أنواع: فإن أحبها لله توصلاً بها إليه، واستعانة على مرضاته وطاعته أثيب عليها، وكانت من قسم الحب لله توصلاً بها إليه، ويتلذذ بالتمتع بها، وهذا حال أكمل الخلق الذي حبب إليه من الدنيا النساء والطيب، وكانت محبته لهما عوناً له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره.
وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإرادته، ولم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه، بل نالها بحكم الميل الطبيعي، كانت من قسم المباحات؛ ولم يعاقب على ذلك، ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه.
وإن كانت هي مقصودة ومراده، وسعيه في تحصيلها والظفر بها، وقدمها على ما يحبه الله ويرضاه منه، كان ظالماً لنفسه متبعاً لهواه.
فالأولى: محبة السابقين.
والثانية: محبة المقتصد ين.
والثالثة: محبة الظالمين.
فتأمل هذا الموضع وما فيه من الجمع والفرق؛ فإنه معترك النفس الأمارة والمطمئنة، (( والمهدي من هداه الله ) ) [2] .أ.هـ
والحاصل: أن فتنة النساء فتنة عظيمة حذر منها الرسو صلى الله عليه وسلم بقوله: (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) ) [3]
وكذلك ما رواه أبو سعيد الخدري- رضي الله عنه- عن صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون؛ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) ) [4] .
والآثار عن السلف في التحذير من فتنة النساء كثيرة منها ما يلي:
عن أشعث بن سليم قال: سمعت رجاء بن حيوة، عن معاذ بن جبل قال: ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم: فتنة النساء إذا تسورن الذهب، ولبسن رباط الشام، وعصب اليمن، فأتعبن الغني، وكلفن الفقير ما لا يجد [5] .