فهرس الكتاب

الصفحة 10313 من 27364

حول قداسة الحكّام في تاريخنا

أ. د. عماد الدين خليل 21/9/1426

طالما ردّد الكثير من الباحثين في دوائر الاستشراق النصراني أو الماركسي، بأن هناك صعوبة كبيرة تقف في وجه الدارس للتاريخ الإسلامي، وهي أن الشخصيات الإسلامية أُحيطت بالقدسية ولاسيما الخلفاء، بل إنه حتى أولئك الخلفاء الذين بلغوا أقصى حدّ من الانهيار والانحراف، ظلّوا محاطين بالتقديس ما داموا يستمدون سلطتهم من الدين بصفتهم منفّذين للشريعة ومفسّرين لكلمة الله!

والحق أن هذه المقولة قد لا تعني شيئاً على الإطلاق إن لم تُضبط وتُحدّد تحديداً

دقيقاً، ومن ثم فإن إطلاقها على عواهنها قد يكون نوعاً من التعميم الذي هو نقيض البحث العلمي الجاد.

فإذا أُريد بالقدسية: العصمة أو التنزيه عن الخطأ والنقد والاعتراض ـ وهذا هو الراجح ـ فإن الشخصيات الإسلامية، بما فيها الخلفاء، كانت تجتهد رأيها فتصيب وتخطئ. وكلنا يذكر عبارة مالك بن أنس (رحمه الله) :"كل بني آدم يُؤخذ منه ويردّ عليه إلاّ صاحب هذا القبر"ويعني النبيّ المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام. بل إن الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم) قالوها مراراً وأعلنوها تكراراً: إنهم جاؤوا لكي ينفذوا أمر الله، ويلتزموا شريعته المتضمنة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلمفإن أصابوا فبها، وإن أخطؤوا فإن من حق الأمة التي ارتضتهم أن تقوّمهم وتردّهم إلى الطريق.

وكلّنا يذكر خطبة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) التي استهلّ بها خلافته"أيها الناس، إني قد وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأطيعوني، وإن أسأت فقوّموني .. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ..".. ويذكر خطبة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) :"ولست أدع أحداً يظلم أحداً حتى أضع خدّه على الأرض، ثم أضع قدمي على الخدّ الآخر. ثم إني أضع خدّي على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف".

ويذكر غير هذا وذاك الكثير من الوقائع في هذا الاتجاه. قال حذيفة بن اليمان: دخلت على عمر بن الخطاب ـ يوماً ـ فرأيته مهموماً حزيناً فقلت له: ما يهمك يا أمير المؤمنين؟ قال: إني أخاف أن أقع في منكر فلا ينهاني أحد منكم تعظيماً. فقلت: والله لو رأيناك خرجت عن الحق لنهيناك!! ففرح عمر وقال: الحمد لله الذي جعل لي أصحاباً يقوّمونني إذا اعوججت!

ويوماً صعد على المنبر وقال: يا معشر المسلمين ماذا تقولون لو ملْتُ برأسي إلى الدنيا كذا؟ فقام إليه رجل فقال: أجل .. كنا نقول بالسيف كذا (وأشار بالقطع) . فقال عمر: إياي تعني بقولك؟ أجاب الرجل: نعم إياك أعني بقولي. فقال عمر: رحمك الله! الحمد لله الذي جعل في رعيّتي من إذا تعوّجت قوّمني!

وعن الحسن بن علي (رضي الله عنهما) قال: كان بين عمر بن الخطاب وبين رجل كلام في شيء، فقال له الرجل: اتّق الله. فقال رجل من القوم: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟ قال عمر: دعه، فليقلها لي، نِعْم ما قال. لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها!

ويوماً نادى: الصلاة جامعة .. فلما اجتمع المسلمون صعد المنبر وقال: أيها المسلمون، لقد تذكرتني وأنا أرعى لخالات لي من بني مخزوم فيقبّضنني القبضة من التمر أو الزبيب. ثم نزل. فقال له عبد الرحمن بن عوف: ماذا أردت بهذا يا أمير المؤمنين؟ فأجاب: ويحك يا ابن عوف ، لقد خلوت إلى نفسي فقالت لي: أنت أمير المؤمنين، وليس بينك وبين الله أحد؛ فأنت أعلى الناس، فأردت أن أعرّفها قدرها!

وعثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) وقف ـ فيما يحدثنا الطبري في تاريخه ـ يدافع عن نفسه أمام جموع الثائرين، ويدلي بحججه واحدة تلو أخرى وهم يثنّون عليها، وأبى أن تُسفك من أجله قطرة دم واحدة ، فضلاً عن أن يحتمي ـ وحاشاه ـ بقدسية مزعومة تضع بين خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلموبين جماهير أمتّهم سدًّا ، وتدمّر حقهم في الاعتراض.

وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وقف متهماً جنباً إلى جنب مع المدّعي

عليه، وهو أمير المؤمنين، والمدّعي يهودي من غير أبناء الأمة المتفوّقة .. يقف قبالة القاضي لكي يدفع التهمة عن نفسه.

وعمر بن عبد العزيز (رحمه الله) يعلن عن جائزة قدرها ثلاثمائة دينار لكل

من يقطع الطريق الطويل، ويجيء إلى دمشق ـ قاعدة الخلافة ـ لكي يقول هناك كلمة

(الحق) في مواجهة أمير المؤمنين!

تجاوز الخلفاء الراشدون (رضي الله عنهم) ما يسمى بالديمقراطية التي عرفها الغرب والتي كانت في كثير من الأحيان لا تعبّر سوى عن مصالح شرائح محدّدة من

المجتمع .. تجاوزوها إلى نوع مركّب من الديموقراطية (إذا استخدمنا تعبير مالك بن نبي رحمه الله) .. فكانوا يطلبون من جماهير أمتهم أن تنقدهم وتقوّمهم، ويحضّونها على ذلك، ويربّونها عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت