أحمد البحاري 23/8/1424
عندما قامت الإنقاذ قبل أربعة عشر عاماً كان أهلها يراهنون على الحسم السريع للتمرد في جنوب السودان باعتبار أن حكومة الصادق المهدي السابقة حكومة مدنية ضعيفة، والتمرد لا تحسمه إلا حكومة عسكرية قوية ومن ثَم رفع الإنقاذيون راية الجهاد وحشدوا آلاف الشباب تحت راية الشريعة، وأعلنوا تعبئة عسكرية شاملة استعداداً للمعركة الفاصلة مع التمرد هذه الإجراءات قلبت كل الموازين لصالح الإنقاذ فقد أوجدت عقيدة قتالية جديدة وفّرتها راية الجهاد، واحتشد الناس دفاعاً عن عقيدتهم وتحكيماً لشرع الله تعالى. وبالفعل عندما جاء صيف العام 1992م كاد التمرد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، وحوصر في شريط حدودي ضيق فيما عُرف بعمليات صيف العبور؛ إلا أن السياسيين في نظام الإنقاذ رأوا أن التمرد أُضعف بما يكفي لجلوسه على طاولة المفاوضات والقبول بشروط الإنقاذ وكان هذا خطأً استراتيجياً لا تزال الإنقاذ تدفع ثمنه إلى اليوم.
بديل وحليف جديد
على الجانب الآخر كان المتمرد قرنق قد امتصّ آثار إنهيار نظام منقستو في أثيوبيا؛ وأوجد بديلاً له في يوغندا عندما احتضنه زميل دراسته السابق الرئيس الحالي ليوغندا يوري موسفيني. ثم التحق قرنق بتجمّع المعارضة وتولى القيادة العسكرية، واستطاع فتح جبهات في شرق البلاد فأسقط المدن وسبّب متاعب جمّة لنظام الإنقاذ وزاد الأمر سوءاً احتضان اليهودية مادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة للمتمرد، وإعلانها صراحة رغبتها في إسقاط الإنقاذ مستعينة بدول الجوار حتى تحركت ثلاث جيوش من يوغندا وأرتريا وأثيوبيا في مطلع العام 1997م لمحاصرة السودان وإسقاط الإنقاذ.
حيرة بين الحاكمية والمرجعية
ولكن حالة النشوة هذه والزهو بالقوة لم تستمر كثيراً عند الطرفين؛ فنظام الإنقاذ فقد خيرة شبابه ـ بل قادته ـ في الحرب وأفزعه فتح جبهة جديدة في الشرق مما وزّع جهود الجيش والدفاع الشعبي، وأرق الميزانية، وأضعف الموقف العام للنظام كما أقلقه العداء المستحكم من الأنظمة المجاورة في إرتريا وأثيوبيا ويوغندا وكانت قاصمة الظهر الصراع الذي نشأ بين البشير والترابي، وانتهى بإيداع الأخير المعتقل وانشطار المؤتمر الوطني إلى حزبين، وحيرة القاعدة الجماهرية بين حاكمية الرئيس ومرجعية الشيخ.
تمرد على المتمرد
على صعيد التمرد لم تكن الأمور بأحسن حالاً فقد تمرّد على المتمرد قرنق كبار القادة أمثال (كاربينو كوانين) أحد مؤسسي حركة التمرد من قبيلة الدينكا و (د. لام أكول) رئيس قطاع الناصر من قبيلة الشُلك و (د. رياك مشار) زعيم حركة استقلال جنوب السودان من قبيلة النوير كما تمت تصفية قادة آخرين مثل (وليام نون) .
ونشط بعض السياسيين الجنوبيين في معارضة قرنق وعلى رأسهم (بونا ملوال) الوزير السابق في حكومة الرئيس الأسبق جعفر نميري ولم يحظ قرنق بتأييد الزعامات الجنوبية التاريخية أمثال (أبيل ألير) و (جوزيف لاقو) .
كما أن حليفي قرنق في أثيوبيا وأرتريا دخلا في صراع مسلح بينهما على الحدود؛ ففُقد أهمُّ ظهيرين إقليمين. وذهبت مادلين أولبرايت مع ذهاب كلنتون؛ فخسر ألدّ أعداء الإنقاذ عالمياً.
اتفاقية نيفاشا .. أول طريق المنهكين
وكجوادين أنهكهما طولُ الأمد وبُعْدُ المسافة فلم يعودا قادرين على العدو ـ بل السير ـ؛ جلست الحكومة مع المتمردين على طاولة المفاوضات بمساعدة قوى دولية وإقليمية لينظرا في تقسيم السلطة والثروة بينهما وهكذا ولدت اتفاقية نيفاشا للترتيبات العسكرية والأمنية ولا تزال نيفاشا حبلى باتفاقيات أُخر يحاول الخبراء الآن إخراجها بعناية من غرفة المفاوضات المكثفة.
وأهم الملاحظات على اتفاق نيفاشا مساواته لعصابات المتمردين بالجيش السوداني العريق، واعتبارهما معاً يمثلان القوات الوطنية في الفترة الانتقالية ثم وجود جيشين في الفترة الانتقالية: الجيش السوداني في الشمال، وجيش المتمردين في الجنوب، وتفرغ الجنوب من الجيش السوداني إلا من 12.000 لا يغنون شيئاً، والغلبة للمتمردين في الجنوب وإدخال قوات المتمردين الخرطوم وكبريات مناطق الشمال بدعوى القوات المشتركة غير أن أخطر مافي الاتفاق تبني عقيدة عسكرية مشتركة بين الجيش السوداني وجيش المتمردين خلال الفترة الانتقالية والمعروف أن الجيش السوداني أصبح قادته يحفظون سوراً من القرآن الكريم ويرددون الأناشيد (الجلالات) الإسلامية، ويصيحون"الله أكبر"في المعارك.
بينما عصابات المتمردين نشأت على المانفستو الشيوعي، وهم خليط أعراق وأفكار لا يجمع بينها جامع، فأي عقيدة مشتركة تنشأ بين الاثنين؟!.