وبعد أن يذكّر الغنوشي بأن الاختلاف من طبيعة الفطرة التي فُطر الناس عليها سائقاً الأدلة من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة يخلص للقول بأن"أمتنا لم تفشل في شيء كما فشلت في إدارة الاختلاف وإفراغ المبدأ الإسلامي العظيم"الشورى"من مضامينه". ويرجع الغنوشي ذلك إلى ما أسماها بالثقافات القطرية حيث"نشأت الحركة الإسلامية في إطار الكيانات الشاذة الخانقة"والتي أطلق عليها صفة"الأصنام البالية"وأعرب في كتابه عن خشيته من تهديد الثقافة القطرية للمشروع الإسلامي.
الحركة الإسلامية واستخدام القوة
أسهب المؤلف في تحليل جدوى استخدام القوة من عدمه، مستبعداً تحقيق النتائج التي يهدف إليها من يراهن على ذلك قائلاً:"إذا كانت الأمور بمآلاتها وكانت مقاصد الشريعة قد وجهت المسلم أن يهتدي بقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد لاسيما عند سكوت نصوص الشريعة أو عدم قطعيتها فما ترجحت مصلحته كان خيراً وما ترجحت مفسدته كان شراً"ثم تحدث عن الكوارث التي حاقت بالحركة الإسلامية نتيجة التسرع في اتخاذ قرار استخدام القوة.
وأشار إلى أن الانتفاضات الشعبية التي شهدتها فرنسا أو الصين أو إيران أو ما حدث من انتفاضات في أوروبا الشرقية كُتب لها النجاح بعد أن توفر لها زخم جماهيري، أما انتفاضات الحركات السياسية والأحزاب فإنها غالباً ما تؤدي إلى كوارث. إن هذا النوع هو الأجدر بالدراسة بسبب أنه أكثر ما عمّت به البلوى.
ويشيد الغنوشي بتيار الوسطية الإسلامية الذي يرفض الانسياق وراء العواطف والاندفاعات ويعتصم برد أحد بني آدم لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (28) (المائدة) فالوسطية الإسلامية كما يحددها الغنوشي تصر على الالتزام الكامل بأساليب الجهاد السلمي؛ أى بجهاد الكلمة الذي حرضت عليه الآية الكريمة وجاهدهم به جهادا كبيرا 52 (الفرقان) .
مقومات الحركة الإسلامية
يحدد الكاتب خمسة مقومات للحركة الإسلامية:
1 الشمول:"فالإسلام كلٌّ مترابط: العقيدة والشريعة والعبادة وبالتالي لا مجال للتفريق بين الدين والسياسة والدين والدولة".
2 القضية الوطنية: حيث"لاتناقض بين العالمية والوطنية إذ الوطنية منطلق العالمية فعناية المسلم بإصلاح وطنه واجب ديني".
3 السلفية: ويعني بها استمداد الإسلام من أصوله دون تعصب فالأصل هو ما ورد في الكتاب والسنة وعصر الخلفاء.
4 البعد الإيماني: ومنه ضرورة الأخذ بالأسباب مع الاعتقاد بأن هذه الأسباب لاتؤدي إلى نتائجها إلا بإذن الله.
5 الشعبية: فالحركة الإسلامية ليست حركة فئوية معينة ولاطريقة صوفية تحصر أعمالها في مجموعة المريدين، إنها ضمير الأمة المتحرك وأعماقها الثائرة.
استراتيجية الحركة الإسلامية
يحدد الغنوشي ثمانية مباديء أساسية يتوجب على الحركة الإسلامية تحديد موقفها بوضوح منهاوهي:
1 تحديد موقفنا من التراث.. ما هو ملزم منه وما هو غير ملزم.
2 تحديد موقفنا من الغرب ماذا نأخذ وماذا نترك؟
3 تحديد نظرتنا للواقع.. علاقتنا مع تشكيلاته
4 ما أدوات التغيير التي نستخدمها..؟ وهل نعتبر الشعب فيصلاً في اختيار الحاكم ونعيد له حقه كخليفة لله في الأرض؟.
5 الدعوة للإسلام من خلال حاجات الناس وهمومهم.
6 التربية المتكاملة على المستوى الفكري بتنمية الروح النقدية وتوخي الموضوعية.
7 العالمية في الحركة الإسلامية تحقيقاً لمبدأ التوحيد وهو أساس العقائد الإسلامية فضلاً عن أن العالمية هي روح العصر.
8 الاعتماد على التخطيط والكم مبدأ أساسي في التخطيط، وكثيراً ما تهمل طريقة القياس الكمي وتلغى برفع شعار"المهم الكيف لا الكم"، والقرآن أشار إلى ذلك في قوله تعالى: وكل شيء عنده بمقدار (8) (الرعد) .
ويختم الغنوشي بحثه بالقول:"إن التحدي الحقيقي هو كيف يرى الناس الإسلام مجسداً في نظريات وتطبيقات، في الاقتصاد والسياسة والفن، ويعبر حمَلَة الإسلام عن مشروعهم لا بالدفاع والردود على الأطروحات السائدة فقط وإنما بتقديم البدائل".