فهرس الكتاب

الصفحة 12076 من 27364

محمد عبدالفتاح 16/2/1423

يمكن القول بشيء من المجازفة أن العدو الصهيوني يعيش منذ بداية انتفاضة الأقصى حالة من التخبط والفوضى وانعدام الرؤية السياسية لا يعرفون إلى أين ستقودهم ، وإذا كان الحديث عن تزايد نسبة البطالة ، وتضخم الهجرة المعاكسة بشكل يومي، وهبوط سعر (الشيكل) مجرد أحداث على هامش الانتفاضة وتأثيراتها على الأوضاع الداخلية لهذا العدو، نتيجة إمكانية التعريض والابتزاز سواء على مستوى الأموال الأوروبية أو من الولايات المتحدة ، فإن مما لا شك فيه أن هنالك فجوة كبيرة وقابلة للتطور تظهر بشكل جلي في معظم مناحي الحياة يمكن رصدها ساهمت انتفاضة الأقصى في دفعها وهي مؤهلة أن تتعمق مع الأيام مع ملاحظة أن التعويل بشكل كبير على الانهيار الداخلي للعدو الصهيوني مسألة تدعو إلى الركون والانتظار أكثر مما تقود إلى العمل ضمن مسارات أخرى موازية لهذه الإصابات لدى العدو .

وأولى هذه التأثيرات التي نتجت عن الانتفاضة المباركة هي فقدان الأمن الذي طالما سعى إليه الصهاينة بشتى الطرق ، فقد بات معلوما أن لغة جديدة بدأت بالتبلور لدى هؤلاء في جميع أراضي فلسطين المحتلة مفادها أن القوة العسكرية لا يمكن أن تقود إلى الأمن بمقدار أن استخدام هذه القوة يعبر عن ضعف وهشاشة هذا العدو، إضافة إلى أن الإرهابي"أرئيل شارون"الذي اختاره الصهاينة لإيقاف حالة التدهور الأمني، لم يفشل فحسب بذلك، بل إن الأمن الشخصي لدى رجل الشارع بات مفقوداً .

من جانب آخر، فقد بلغ - حسب تقرير أركان جيش الاحتلال - عدد عمليات المقاومة الفلسطينية قرابة (أربعة آلاف ومئتين وخمس ) عمليات ، كما قتل (مئتان وثلاثون) صهيونياً حتى أواخر شهر آذار مارس الماضي ، وبذلك يصبح"شارون"أقل رئيس وزراء يحافظ على أمن جنوده على الرغم من حجم العنف والقتل والتدمير الذي يمارسه بحق الشعب الفلسطيني ، علاوة على أن عمليات المقاومة وثقافة الاستشهاديين تكرست وتجذرت في عهده بشكل لم يسبق له مثيل ، إلى الدرجة التي أصبح فيها الصهاينة يخشون من دخول مراكز المدن التي احتلوها عام 1948م فضلاً عن الضفة الغربية وقطاع غزة .

وجدير بالذكر أن هذا التدهور انعكس بصورة كبيرة على الأوضاع الاقتصادية والتي تفاقمت بصورة متسارعة منذ بداية الانتفاضة رغم وعود"شارون"المتكررة بتحسين الأوضاع، فقد قفزت نسبة البطالة عن (10%) ليرتفع بذلك عدد العاطلين عن العمل إلى حوالي ربع مليون عامل، إلى جانب تدهور قيمة العملة الصهيونية مقارنة بالدولار واليورو، ناهيك عن الخسائر الكبيرة جداً في السياحة والمطاعم والفنادق والزراعة والبناء ، كما تعرضت صناعة التقنيات المتقدمة إلى ضربة كبيرة كما تؤكد ذلك صحفهم بشكل شبه يومي .

ولعل من أبرز آثار انتفاضة الأقصى كشفها لحقيقة حاول الصهاينة أنفسهم ودعاة التطبيع العرب طمسها وهي سيطرة العقلية العسكرية والاستئصال الأمني على جميع الأطياف السياسية لدى العدو الصهيوني، وإلا فما هو تفسير بقاء حزب العمل في حكومة شارون حتى الآن إذا كان قادة هذا الحزب يدّعون الحرص على عملية"السلام"؟ ويؤكد المراقبون أن جميع العسكريين يتولون بعد تقاعدهم مناصب سياسية إذا لم يصلوا إليها أثناء الخدمة.

ويبدو أن الإرهابي"شارون"يدرك تماماً أبعاد اللعبة داخلياً وخارجياً ، ليساعده في ذلك الماكر"شمعون بيريز"، فعندما يغضب اليمين الصهيوني يبدأ"شارون"حملاته العسكرية ، ويكثف سياسة الاغتيالات ، ويعلق أن القدس هي العاصمة الأبدية والموحدة ، وإذا غضب اليسار والأوروبيون أرسل"بيريز"ليقوم بمهمة التزيين والتزييف ، بل إن"بيريز"أعلن في مقابلة مع صحيفة"يديعوت أحرونوت"أنه"في كل بحث في الحكومة يحضر الجيش فرقة من الضباط إلى الجلسة تتألف من رئيس الأركان ونائبه ورئيس الاستخبارات العسكرية و... يأتون يحملون رأياً واحداً وقد أصبحوا خبراء سياسيين"وهذا يعطي مؤشراً بالغ الدلالة عن حجم الاتفاق بين هؤلاء حول القضايا المتعلقة بفلسطين رغم خلافاتهم الظاهرية حول بعض المكاسب السياسية أو الحزبية .

ويرى د."إبراهيم أبو جابر"مدير مركز الدراسات المعاصرة في أم الفحم أن الشعب الفلسطيني ضحية الأهداف الإجرامية للصهاينة بمقدار ما هو ضحية خلافاتهم السياسية إذ يؤكد أن إصرار"شاؤول موفاز"- رئيس هيئة الاركان - على اتخاذ مواقف أكثر تطرفاً من الحكومة في مواجهة الانتفاضة ، وللإصرار على الإعلان عن موقفه بشكل تظاهري عبر وسائل الإعلام إنما هو نتاج تفاهم بينه وبين رئيس الوزراء السابق"بنيامين نتنياهو"، ينص على أن يعمل"موفاز"على إحراج"شارون"بدفعه إلى اتخاذ مواقف متطرفة جداً، حتى لا يجد حزب العمل مفراً من الانسحاب من الحكومة، وبالتالي تقديم موعد الانتخابات"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت