فهرس الكتاب

الصفحة 22109 من 27364

أ. د. عماد الدين خليل 25/6/1426

في القرآن الكريم دعوة صريحة لرفض طاعة أولي الأمر، وذلك عندما يكون أولو الأمر سادة وأمراء ورؤساء ، في خلاف مع الله ورسوله !! وفيه تنديد وتحقير وسخرية بأولئك الذين يمارسونها ، وتوعدهم بأشد العقاب .

وليس كما يقول الخبثاء من أصحاب السلطة والمصلحة، ويردّد السذّج من المغفّلين والمستعبدين من أن على المؤمن إطاعة أولي الأمر وإن خالف أمر الله ، لأن ذلك من أمره !!

وكيف يناقض القرآن الكريم نفسه (وحاشاه) .. ويدعو إلى تنفيذ أمر الطاغوت والتزام تشريعه وقوانينه ونظمه إذا كان الطاغوت يستهدف أساساً تدمير كلمة الله في الأرض، وانتزاع حاكميّته، وتعبيد الناس له من دون خالق الناس؟!

من يرضى أن ينساق وراء هذا الفهم السخيف إلا أن يكون ساذجاً أو خبيثاً؟

إن كتاب الله سبحانه يقولها صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(1) ويقولها واضحة صريحة لا لبس فيها ولا غموض (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله ُ) (2) (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (3) .. فكيف يعقل أن يدعو في الوقت نفسه، وباتجاه نقيض تماماً، إلى طاعة أولي الأمر حتى لو كانوا ممن لم يحكم بما أنزل الله، وممن يفتنون الناس عن دينهم، وممن يمارسون الظلم بقسر الناس على الخضوع لمناهجهم وتشريعاتهم على حساب دين الله وتشريعه؟!

إن طاعة أولي الأمر بهذا المعنى تتمخّض بالضرورة عن سعي مضاد، أو ثورة مضادّة بالتعبير الحديث، تستهدف تدمير دين الله في الأرض والتمكين لنظم الطاغوت.. وذلك أمر مردود من أساسه، لا يقبل مناقشة أو لجاجاً، وذلك أمر مرفوض ..

هاهو القرآن الكريم يندد في عشرات المواضع بهذه العلاقة المرذولة بين السادة الذين يحكمون بما لم ينزل الله، وبين العبيد الأتباع ممن ينساقون لتنفيذ كلماتهم وأهوائهم وظنونهم.. لا يندد بهم فحسب، ولكنه يسخر منهم ويحقرهم.. ويعرض ـ على طريقته المؤثرة ـ مشاهد حية شاخصة مما سيشهد يوم الحساب من (حواريات) (كاريكاتيرية) بين أولئك وهؤلاء.. بين الطواغيت والأرباب الذين يعبدون الناس لحسابهم وبين العبيد الذين يختارون أن يعملوا لصالح الطواغيت والأرباب، متنازلين عن حريتهم التي منحهم الله إياها، مستهينين بكرامتهم التي فضّلهم الله بها على العالمين ..

وبقدر ما يرفض القرآن الطغيان والاستعباد، فإنه يرفض بنفس القوة والعنف التذلل والهوان.. فلولا هذا ما كان ذاك.. والطاغوت الذي لا يجد من يعبده، ويسبح بحمده، ويلتزم أوامره، وينفذ منهجه وتشريعه .. يموت قهراً !!.. أو على الأقل يحمل عصاه ويرحل؛ لأنه لا يجد الأرضية الملائمة لأن (يكون) !! ومرة أخرى .. (واتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً...) !!

لنرحل في كتاب الله، ولنقف قليلاً نعاين هذا المشهد أو ذاك مما سيشهده يوم الحساب وكأنه واقع اللحظة، حيث يلغي العرض القرآني ـ على طريقته الفذة ـ حاجز الزمن، ويقفنا وجهاً لوجه إزاء يوم الحساب ..

المشاهد كثيرة .. لأنه ما من تجربة كررت نفسها عبر تاريخ البشرية كتجربة استعباد الناس للطاغوت وتعبيدهم لأهوائهم وظنونهم، والذهاب بهم بعيداً عن شرع الله العادل ومنهجه المحرر ودينه المستقيم .. ما من (لعبة) أعادت نفسها بألف ثوب وثوب كلعبة فراعنة العالم، وهم يقسرون الناس على أن يسجدوا لهم من دون الله، وأن يفعلوا وينفذوا ما يرونه هم .. لا ما يريده الله ولا ما يراه الناس أنفسهم .. إنها مأساة التاريخ البشري وملهاته في الوقت نفسه..

المشاهد كثيرة .. ولن يتسع المجال لتمليها جميعاً .. فلنكتف ببعض منها .. نماذج فحسب لما يريد القرآن أن يقوله في نهاية كل مشهد بلسان الحال أم بلسان المقال .. رفضاً لطاعة أولي الأمر، حين يحكمون بغير شرع الله ، ويعادون منهجه ، ودعوة لفك الارتباط المخزي معهم، ونداء للسعي صوب مصير أكثر حرية وإضاءة وانسجاماً مع كرامة الإنسان ومكانته في العالم ..

(وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنْ النَّارِ*قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) (4) .

فهل ثمة ما يدعو إلى رفض الطاعة، وينفّر منها، أكثر من هذا الموقف المخزي الذي تنكشف فيه الأوراق ويتبدى فيه عجز المستكبرين على حقيقته ومداه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت