فهرس الكتاب
مجلة الدعوة 19/10/1425
لقاء منبر الحوار في مجلة الدعوة مع فضيلة الشيخ سلمان العودة عن الحوار في 29/5/1425هـ
ما تأصيل مصطلح الحوار في الإسلام بين الحقيقة والمعنى؟
الحوار هذا لفظ شاع في عصرنا بطريقة ملفتة للنظر؛ حيث تستطيع أن تقول: إنه أصبح سمة من سمات هذا العصر, وظاهرة من ظواهره .
فأنت تسمع مثلاً ( حوار الحضارات) , ( حوار الشمال والجنوب ) , ( الحوار العربي ) , ( الحوار الأوربي ) وغير ذلك.
ولعل من أبرز أسباب ذلك هو الثورة أو الانفجار المعلوماتي الذي حدث في هذا العصر؛ فلم يعد هناك أحد كائناً من كان فوق الحوار فإن لم تتكلم وتحاور في شاشات التلفزة استطعت ذلك عبر الإنترنت ودهاليزه اللامتناهية أو المجالس أو غيرها.
ولذلك يجب أن يترسخ لدينا أن أي كلمة أراد صاحبها نشرها فلها طرقها ومسالكها الكثيرة .
والعصر مختلف تماماً عن سابقه؛ لذلك هناك ضرورة حتمية للمحاورة والجدال والمناظرة , ولعل ما نراه اليوم؛ من قطار لا يتوقف, وسيل هادر, من المؤتمرات, والندوات والاجتماعات, في نواحي العالم تبرز أهمية تفعيل الحوار.
والحوار هو عملية محاورة, بين أفراد؛ اثنين أو أكثر, يتخللها موضوع يطرحه أحدهم ويجاب عنه, وقد ينتج عنه تفريعات أخرى.
ومن أثر الحوار: أن يفكر المحاور في آرائه أو يتراجع عنها أو يزداد بها وثوقاً.
ولفظ الحوار لم يكن مستعملاً في تاريخنا بشكل كبير وقلما كان يستعمله علماء الأصول أو علماء الكلام بخلاف لفظ الجدل والمناظرة.
قال ابن فارس حَوَرَ ( الحاء, والواو, والراء) ثلاثة أصول:
أحدها: لون (يعني: الحور في العين وغيرها) .
والآخَر: الرُّجوع
والثالث: أن يدور الشيء دَوْراً.
وفي القرآن الكريم أشكال وأنماط متعددة ومختلفة من الحوارات بين كافة المستويات فمن ذلك:
* حوار الملائكة مع ربهم سبحانه وتعالى.
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:30) .
* حوار الله سبحانه وتعالى مع الأنبياء والرسل.
على سبيل المثال عيسى عليه السلام: ( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة:116)
* حوار الله سبحانه وتعالى مع إبليس.
(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (لأعراف:12)
* حوار الأنبياء مع أهليهم
(وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود:43)
* حوار أهل الجنة والنار
(وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) (لأعراف:50)
* حوار الرسل مع أقوامهم وهذا كثير جداً
* حوار الإنسان مع غير الإنسان كالهدهد مع سليمان عليه السلام
(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ) (النمل:22)
* حوار الأنبياء مع الملوك والحكام والجبابرة وهذا أيضا في عشرات المواضع كما في قصة موسى عليه السلام مع فرعون.
* حتى ذكر الله حوار الإنسان مع أعضائه التي تشهد عليه وتنطق يوم القيامة
(وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (فصلت:21)
وفي القرآن الكريم نصوص كثيرة متشابهة كلفظ الجدال, والمخاصمة, والمحاجة .
لكن لفظ الحوار له خصوصية ومزية, وقد ورد في القرآن في ثلاثة مواضع:
1- (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً) (الكهف:34)
2- (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) (الكهف:37)
3- (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة:1)