فهرس الكتاب

الصفحة 24407 من 27364

ولفظ الحوار في القرآن غير مقيّد, والله عز وجل سمى فعل المرأة (مجادلة) وهي تذكر زوجها وأطفالها, ولما اشترك معها صلى الله عليه وسلم سمى الفعل محاورة.

ومن ألصق معاني الحوار أو الحور هو التردد والرجوع, وذلك يكون بالذات أو بالفكر ومنه «اللَّهُمَّ إنّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الْحَوَرِ بَعْدَ الكَور » أي من التردد في الأمر بعد المضي فيه أو النقص في الحال بعد الزيادة.

والمحاورة والحوار هي المراددة في الكلام ومنه التحاور.

فالحوار فيه معنى ترداد الفكر في العقل, والأخذ والرد, وفيه معنى الاستعداد لدى الإنسان للرجوع إلى الحق إن استبان له.

وهذا معنى شريف في لفظ الحوار، ولا يستلزم ذلك الرجوع من قول لآخر, لكن يحدث الإنسان نوعاً من التحوير أو التعديل أو ينظر في دقة وتحرير ما قاله.

إذن الحوار فيه نوع من الرجوع, وعدم الاستئثار بالرأي دون الطرف الآخر, وفيه نوع من الملاينة في الكلام, والملاطفة, بخلاف المجادلة والمحاجة.

وفيه نوع من رفع سقف المناقشة قدر الطاقة بين المتحاورين.

فالحوار ليس جدالاً ولا مقارعة ولا منابذة في ميدان قتال تراق فيه دماء المتحاربين بسيوف الألفاظ النابية والفكر المعقد والمسلك المتشنج.

فهناك تلازم بين الحوار والأدب, بين الحوار واللطف, بين الحوار واللغة الراقية!

وهذا كله من شأنه أن يجعل الحوار يؤتي أكله, ويصل إلى أهدافه من بيان الحق, وإقناع الآخر به.

لكن المشاهد في الواقع وفي وسائل الإعلام كالفضائيات, والإذاعات, والشبكة العنكبوتية وغيرها؛ يختلف تماماً عما يجب من لوازم أدب الحوار .

فهناك الاستئثار, والصراخ, والعصبية, والتنابز, والازدراء, والنظرة الدونية؛ حتى يتخيل لك في بعض البرامج الحوارية أنك في حلبة مصارعة؛ أيهما يطرح الآخر أرضا بضربة قاضية!!

فنحن بحق نعاني أزمة في الحوار, ترتبط بأزمات كثيرة؛ في الفهم والتلقي والنقل والأخلاق.

وعلام يدل ذلك ؟

هذا يدل على أهمية الرجوع إلى ما يجب أن يكون عليه الحوار من وضوح في الهدف على كافة المستويات, والهدف واضح, وهو: الحق, فيجب البحث عنه, والرجوع إليه متى استبان على لسان من جاء به أيا كان, بلا تسلط, أو إحراج, أو استعراض للقدرة العقلية, أو الذهنية !!

ويدل أيضا على أن الحوار من أفضل وسائل الإقناع, وتغيير الفكر الذي يعدل سلوك المحاور إلى الأفضل ،وفيه ترويض للنفوس على قبول النقد ، واحترام آراء الآخرين ...

وتتجلى أهميته في دعم النمو النفسي, والتخفيف من مشاعر الكبت وتحرير النفس من الصراعات والمشاعر العدائية والمخاوف والقلق ، فأهميته تكمن في أنه وسيلة بنائية علاجية تساعد في حل كثير من المشكلات.

ومن أعجب الكلمات التي ينبغي أن يوقف عندها؛ كلمة الإمام الفذ الشافعي رحمه الله, وهو من كبار أساتذة التاريخ الإسلامي, في فنون الجدل, والمناظرة, وتأصيلها فقد كان يقول: ( ما جادلت أحداً إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه) .

هل لنا نصيب من هذه العبارة الحكيمة, وهل يوجد اليوم أحد من الناس يقول مقالة الإمام الشافعي رحمه الله قولاً وفعلاً؟

الإمام رحمه الله قال هذه الكلمة؛ لأنه واثق أنه سيقبل الحق إن ظهر له سواء عند نفسه أو الآخر, والمشكلة هي في الطرف الآخر الذي لا يقبل الحق إلا إذا قاله هو, ولن يقبله إذا خرج من الشافعي؛ لذا تمنى أن يظهر الله الحق على لسان محاوره حتى يقبله الجميع .

-هنا تلاحظ:

-صفاء نفس الإمام الشافعي.

-محبته لظهور الحق على لسان أي طرف خاصة لو كان المحاور.

-محبته لقبول هذا الحق الذي ينبغي أن يكون هدفا.

-عدم قصد الإمام الشافعي لإحراج من أمامه؛ سواء بإظهار تناقضه أو ادعاء ما ليس له أو غير ذلك.

-فكرة العلو في الأرض أو التسلط على عباده غير واردة في جدول أعمال الإمام.

-كان من أقواله أيضاً ( والله لقد تمنيت أن الخلق كلهم تعلموا هذا, وأنه لم ينسب إلي منه حرف واحد) .

أقول: فمن اتصف بمثل هذه المعاني التي اتضحت من قول الإمام الشافعي لا بد وأن يكون له نصيب من كلمته.

ثمت تساؤل مهم يلح على البعض هل يمكن الحوار والجدال في الأمورالقطعية في الإسلام, وما مجالات الجدال والمحاورة؟

الحوار والجدال لا يجوز أبداً أن يكون في القطعيات المسلم بها في الإسلام؛ كالقرآن الكريم أو أركان الإيمان, والإسلام, أو الدين الجامع, وعصمه الكبار, ومعاقده الشريفة؛ التي اجتمعت عليها الأمة, وبموجبها صارت أمة واحدة؛ كما قال الله تعالى:

(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الانبياء:92) .

فلم يكن أمة واحدة إلا بمسلمات وقطعيات اجتمعت عليها لا تقبل الأخذ والرد.

وإنما يكون الأخذ والرد, والاجتهاد, والحوار, في القضايا النظرية الفرعية, سواء في الفقه أو التاريخ أو مستجدات الواقع أو مجريات السياسة أو غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت