سليمان بن صالح الخراشي
مع رحيل الاستعمار عن معظم ديار المسلمين وقعت ( انقلابات ) في بعض البلاد العربية ( العراق ، مصر ، الشام ..) على الحكم الملكي فيها بغية إقامة ( جمهوريات ) تتحرر من تحكم"العشائر أو العوائل"، وتحقق للشعوب المشاركة في القرار والحكم عن طريق البرلمانات والانتخابات و و .. الخ الشعارات .
كانت الآمال تداعب كثيرين - ومن ضمنهم بعض دعاة جماعة الإخوان المسلمين الذين ساهموا أو أيدوا بعضًا منها - في أن هذه ( الجمهوريات ) ستحقق لهم العدل والحرية والعيش الكريم . إلا أن تلك الآمال تبخرت مع أول سنة جمهورية كما يقال ؛ فاستفاق الناس عندها على حكومات متسلطة مجرمة ؛ أضاعت الدين والدنيا ، يقف خلفها و انقلاباتها الغربُ الكافر الذي مكّن لها من الوصول إلى سدة الحكم ؛ مشترطًا عليها تنفيذ مايريده من طمس الهوية الإسلامية ، والجرأة على أحكام الشريعة ؛ بإلغائها أو التضييق عليها .
بعد هذه التجارب الثورية تنبه العقلاء إلى أن الملكيات التي كانوا يفرون منها ، ويتهمون بعضها"بالرجعية"هي أرحم بهم ، وأرعى لدينهم من تلك الجمهوريات الكاذبة .
ففي الملكيات - رغم ما يوجد من أثرة وجور -: لاتزال أعلام الدين قائمة مصانة ، وهيبته باقية ، والرحمة موصولة بين الحاكم ورعيته ، والرخاء مشترك . . . ومن قرأ التاريخ تيقن هذا . ( قارن مثلا بين حكم الملك فاروق - على لهوه وفساده - بحكم الهالك عبدالناصر سواء في الدين أو الدنيا ) .
وممن تنبه إلى ماسبق و (اعترف) به: أحد أبرز شخصيات جماعة الإخوان المسلمين في الكويت ؛ وهو الشيخ جاسم بن مهلهل الياسين - وفقه الله - ؛ وذلك في كتابه الأخير"الدولة الإسلامية بين الواجب والممكن"؛ الذي ملخصه نصيحة وجهها إلى دعاة الإخوان في أنهم إن لم يتمكنوا من إقامة الدولة الإسلامية ( الواجبة ) ، فليرضوا على سبيل التدريج بالدولة ( الممكنة ) ؛ وهي دولة الملكيات التي أعطت مساحة كبيرة لهم .
( قد أخالف وغيري الشيخَ في أن جماعة الإخوان غير مهيئة - حاليًا - لإقامة الدولة الإسلامية الواجبة ؛ لأسباب عديدة - لامجال لتفصيلها الآن - ؛ سأذكرها إن شاء الله في مقال قادم ) .
يقول الشيخ جاسم ( ص 354 - 356 ) : ( إن المقارنة بين التجربة الجمهورية التي انطلقت سنة 1957 والنظام الملكي في تونس(ملك العائلة الحسينية دام حوالي قرنين ونصف) تؤكد لنا مجموعة من الاستنتاجات التي حصلت لنا من خلال دراسة مقارنة للتجارب الجمهورية والملكية في العالم العربي، وكذلك النتائج السلبية لتعامل الإسلاميين وبعض العلماء مع هذه الأنظمة، على أساس أن النظام الجمهوري أقرب إلى النمط الإسلامي في الحكم حسب اعتقادهم: اتسم الحكم الحسيني باحترامه للأسس الشرعية، التي كانت تقوم عليها الدولة بمختلف أجهزتها، والمجتمع في مختلف تنظيماته وسلوكياته، بل استمد جانباً من شرعيته كسلطة ونظام حكم من تطبيقه للشريعة الإسلامية، رغم المآخذ التي يمكن أن يؤاخذ عليها في بعض الجوانب، والناظر لا يجد في سجل تاريخ الحكم الحسيني دعوة أو عملاً ما يعمل على نقض الشريعة الإسلامية أو تعطيلها، كما أن النظام قد أولى العلماء ودور العلم أهمية كبرى وكان يستشيرهم في خصوص شئون الدولة.
من جهة أخرى كانت العلاقة بين العلماء والسلطة في ظل الملكية تقوم على الاعتراف والاحترام المتبادل، إذ قبل الباي باستقلالية العلماء ودور العلم عن الدولة رغم أن هذه الأخيرة كانت تمول في جانب المؤسسات التعليمية التي كانت أيضاً تعتمد على تمويل ذاتي لها باعتبار اعتمادها على موارد الأحباس، لذلك كان العلماء يمثلون سلطة في المجتمع قائمة بذاتها ، وكانت مهمتها توجيه المجتمع من الناحية الفكرية والقيمية مع التزامها بحدود المجال الذي تعمل فيه واحترامها لمجال السلطة السياسية، كما أن القضية الاجتماعية التي كانت سائدة في ظل الحكم الملكي في تونس تعود إلى اتفاق الجميع -الأهالي والعلماء والسلطة- وذلك حول المشروع المجتمعي والذي كان يتلاءم والهوية العربية الإسلامية والانتماء الحضاري للشعب التونسي، وهذا أيضاً ما يفسر الاستقرار السياسي الذي كان سائداً .
في ظل النظام الجمهوري فإنها واجهت منذ تأسيسها إلى اليوم أزمات شرعية، ولم تتمكن من فرض نفسها على المجتمع وخصومها السياسيين إلا بالحديد والنار، والمتابع للأوضاع في تونس يرى أن المحاكمات السياسية كانت دورية، سواء بسبب صراعات بين الأجنحة داخل الحزب الحاكم أو إثر انتفاضات شعبية معادية للسياسات المتبعة.. إلخ.