لقد ضاعت في ظل الجمهورية كل الحقوق، وديست كل القيم من طرف الأجهزة المسئولة عما يسمى بحفظ النظام، رغم التبجح بمقولات جوفاء نحو"دولة القانون"وحقوق الإنسان وفصل السلطات عن بعضها ودولة المؤسسات.. إلخ، والحقيقة هي أن الدولة ليست حديثة إلا تظاهرياً ولكنها علمانية في العمق وأن المؤسسات ليس لها من الحداثة سوى التسمية ، أما آلياتها وأداؤها فينم على أنها دولة دكتاتورية تسلطية ، لم تترك أي مجال خارج دائرة نفوذها ، وأنها تراقب وتسيطر على ضمائر الناس، وقد اتضح أن"أبو رقيبة"في تونس جاء من فرنسا ليركب الموجه العالية موجة الإسلام، فيستميل الإسلاميين ويتبنى مطالبهم، وينال تأييدهم؛ ليكون هو أول من ينقلب عليهم بعد ذلك، حيث ألغى جامعة الزيتونة وحلها إلى كلية للشريعة فقط ذراً للرماد في العيون، وألغى الأوقاف الإسلامية والمحاكم الشرعية، وأبطل كثيراً من الأحكام الإسلامية المتعلقة بالأحوال الشخصية، ولم ينص الدستور على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام وأباح الإفطار في رمضان بل وجاهر به، وفي عهده ديست كل القيم وتم تغريب المجتمع التونسي.
هذا الذي ذكرناه في تونس يتكرر في الأنظمة الثورية الانقلابية في العراق وليبيا والجزائر وغيرها من البلاد فهي ليست بأقل سوءاً في الانقلاب على الإسلاميين بعد أن وصلت إلى سدة الحكم بمساندة ودعم الحركات الإسلامية التي دافعت عن هذه النظم ووقفت إلى جوارها، آملة منها أن تعمل على إقامة نظام الإسلام في البلاد ، ولكن سرعان ما تبين لها أنها واهمة، وأن الوهم زين لها ما ليس متاحاً ولا صحيحاً، فلم تزد هذه الأنظمة إلا بعداً عن الإسلام، وانحرافاً عن الخط المستقيم، وارتماء في أحضان الشرق تارة والغرب تارة أخرى، وتبديداً لثروة الأمة والدخول بها في متاهات أضاعت الأرض واستسلمت للعدو، ورضيت بما لم ترض به النظم السابقة على الثورات الانقلابية، فلما عارض الإسلاميون ذلك زج بالآلاف منهم في السجون والمعتقلات، وحوكم بعضهم وأعدم آخرون، وخفت الصوت الإسلامي، وعلا الصوت العلماني، وأدرك الإسلاميون أن حظهم مع أنظمة الحكم الانقلابية فاق حد الخداع، ووصل إلى الضرب حتى إزالة النخاع ! ) اهـ .
تعليق
1-من القواعد المُحكمة"ما لايُدرك كله لا يُترك جُله"؛ ففي الملكيات خيرٌ كثير ، ومافيها من قصور يُعالج بالعلاج الشرعي ، وتتابع النصيحة ، وإزالة التربص والتوجس بين الحاكم والمحكوم ، وتأصيل مقولة"أن نُحكم بالإسلام لا أن نَحكم به"، وتقديم الحلول والبدائل ، والترغيب بالأجر العظيم .. ثم ( ليهلك من هلك عن بينة ) .
2-أن جماعة الإخوان لُدغت كثيرًا من أهل السياسة والانقلابات ، وأسباب ذلك - في نظري -: بعدها عن العلماء الربانيين وأخذ مشورتهم ، وإغراقها في السياسة على حساب العلم الشرعي المرتكز على الكتاب والسنة - وهو ما يعطيها فرقانًا يكشف لها ألاعيب أهل المكر والنفاق - ، وتصدر غير المؤهلين . فلابد لعقلاء الجماعة - وفقهم الله - ممن جمع الله لهم بين العقيدة السليمة والتقوى أن يعالجوا هذا الخلل ، ويُصلحوا - لاسيما في جيلهم القادم - ما أخذه أهل العلم على الجماعة ، ولا يُمكنوا الجهلة أو أصحاب الطموحات الدنيوية من مصادرة الجماعة وتسييرها .
أسأل الله أن يوفق دعاة الإسلام ويُبصرهم بأخطائهم ليستدركوها ، ويوفق حكام المسلمين لتحكيم شرعه الذي فيه عزهم في الدنيا ، ونجاتهم في الآخرة . والله الهادي ..