الشيخ محمد بن عبدالله الهبدان
بالرغم من وضوح المنهج الإلهي في قضية عمل المرأة، إلا أنه لا يزال أناس يسعون جاهدين لإخراج المرأة من بيتها، ومزاولة العمل كالرجل تماما، ولكن بتدرج حتى يصلون إلى أهدافهم المنشودة، وغاياتهم المقصودة، ولعلي أستعرض في هذا المبحث بعض المغالطات التي يتحجج بها دعاة عمل المرأة، فمن ذلك:
الحد من العمالة الأجنبية:
يقول أحد الكتاب: إن دراسة إقامة مثل هذه المصانع ستفتح مجالات عمل إضافية للفتاة والمرأة السعودية، وسيؤدي إلى الاستغناء عن العديد من العمالة الوافدة [1]
والجواب على ذلك:
1-لماذا لم تكن المطالبة بإنشاء المصانع المختلفة لمعالجة مشكلة البطالة الموجودة في بلادنا؟! فقد قال المدير العام لصندوق تنمية الموارد البشرية في السعودية: إن معدل البطالة قد يصل إلى 20% في المملكة!! [2]
أليس الأولى لعلاج مشكلة العمالة هي إيجاد الفرص لشبابنا؟!!
2-هاهي المدن الصناعية التي يتم في ورشها إصلاح السيارات، وهاهي العمائر والفلل التي تحت الإنشاء، وهي عشرات الألوف من محلات التجارة والسباكة والحدادة وغيرها، كم نسبة السعودة فيها من الذكور؟
فهل ستزاولها نساؤنا؟
3-إن الحد من مشكلة العمالة الأجنبية الكثيفة يمكن أن يتم من خلال وسائل أهما:
-الحد من تصاريح الاستقدام، ومنع استغلال النفوذ في الحصول عليها، ومكافحة المحسوبية، ففي ظننا أن الآلاف من تصاريح الاستقدام تباع وتشترى، وتحقق دخلا جيدا لبعض المتحايلين على الأنظمة والقوانين.
-تكوين لجان نزيهة لدراسة حاجة السوق من العمالة، ومعرفة واقع كل مؤسسة عاملة وحاجتها من العمالة، إذ أن استقراء الواقع وسبره يؤكد تكدس عمالة لا حاجة إليهم في كثير من مؤسساتنا الرسمية والخاصة، بل نجد الخادمات والسائقين يكتظون في بعض البيوت لدواعي المباهاة والترف المذموم.
-تشجيع اليد العاملة الوطنية للعمل في كافة المهن الضرورية، وتدريب المجتمع على تقبل هذه التوجه المهم، ولو في بعض المهن على الأقل إن لم يكن كلها.
هجرة الأموال:
وهذا المبرر هو نتيجة طبيعية لوجود العمالة الأجنبية، فإذا قلصت العمالة الأجنبية التي أشرنا إليها، انخفض معدل هجرة الأموال إلى خارج البلاد.
ولكن من العجيب عدم طرح هؤلاء لمشكلة هجرة الأموال، لأسباب أخرى كالسياحة خارج البلاد، فأعداد السياح السعوديين الذاهبين إلى الخارج هي الأعلى كمًا، والأكثر إنفاقا، ففي بريطانيا فقط أنفق السياح العرب 1. 5 مليار عام 1996 م.
ولذا لا تعجب حين تعلم أخي القارئ الكريم، أنه بفضل هذه الإنفاقات الباهظة من السياح في غير بلدانهم، أصبحت السياحة مصدر الدخل الأول لدول كثيرة منها: مصر على سبيل المثال، (( وقد أنفق مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي 27 مليار دولارا في السياحة الخارجية عام 2000 م، وقالت مؤسسة ABK الدولية في دراسة لها أن متوسط إنفاق الفرد الخليجي في رحلته بلغ 1814 دولارا، بمعدل 135 دولارا في الليلة الواحدة.
وطبقا للدراسة نفسها، فقد بلغ عدد الرحلات التي قام بها الخليجيون العام الماضي 8. 8 مليون رحلة، شغلوا خلالها 199 مليون غرفة، حيث سجل السعوديون 4. 8 مليون رحلة دولية، والإماراتيون 1. 8 مليون رحلة، فالكويتيون 1. 3 مليون رحلة، فالبحرينيون 400 ألف رحلة، فالقطريون والعمانيون معا 700 ألف رحلة.
وبلغ عدد الليالي التي شغلها الخليجيون في الفنادق العالمية 200 مليون غرفة / ليلة [3] .
ولئن كانت تحويلات الأجانب للأموال في مقابل مردود إنتاجي في الداخل غالبا، إلاّ أن نفقات السياح لملايين الدولارات في الخارج هي للمتعة واللذة دون مقابل، بل في أحيان كثيرة في مقابل مردودات عكسية، سواء فكرية أم عقائدية، أو أخلاقية أو صحية.
ومعلوم كثرة العائلات السعودية التي تقيم حفلات زواج أبنائها وبناتها في الخارج، وتتباهى في الإنفاق المالي الغزير هناك، فضلا عن توجه الكثيرين لشراء البيوت وتملك العقارات في بلدان أجنبية مختلفة، مع ما يصحبه ذلك من رحيل للأموال بأرقام خيالية، سواء تلك الخاصة بإقامة تلك البيوت والعقارات، أو مبالغ تنفق لصيانتها وحراستها والسكن فيها وقت الإجازات والعطل.
كما أن الاستطباب بالخارج يتطلب هجرة أموال خيالية، لمعالجة المرضى في مصحات أميركا وبريطانيا، وأسبانيا وجنيف، وغيرها من دول العالم، وقد أنشئت مكاتب صحية في الخارج لمتابعة شؤون هؤلاء المرضى، ترصدها ميزانيات ضخمة، وكان الأولى العناية بإنشاء المصحات المحلية، وتشجيع الطلاب على الانخراط في مجال الطب ليقل الاعتماد على الأجانب، بالإضافة إلى استقدام بعض الكفاءات المسلمة إلى بلادنا حتى تحين فرصة سد النقص في كفاءاتنا المحلية.
والمقصود أن مصاريف العلاج في الخارج التي تقدر بالملايين لم يبحث حلها على نطاق الصحف ووسائل الإعلام، مما يدل على أن القضية ليست سوى توجهات فكرية مشبوهة، ورغبات دفينة في تغريب المجتمع.