فهرس الكتاب

الصفحة 22227 من 27364

إبراهيم عبد العزيز

السؤال: شيخنا الفاضل حفظك الله ورعاك ونفع بعلمك، ما هو حكم المشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية وغيرها من التشريعات الوضعية وجزاك الله خيراً ؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

فليس غريباً أن يرفع بعض المنسلخين عن الشريعة الداعين إلى الخروج عن الأخلاق والقيم راية الكفر والزندقة، ولكن المستغرب حقاً أن تدخل بعض الجماعات التي ترفع راية التوحيد في صفوف الداعين إلى تطبيق أنظمة الكفر والشرك والنفاق على المسلمين، وقد علم هؤلاء يقيناً أن الواجب على المسلم هو الانقياد إلى حكم الله ورسوله ظاهراً وباطناً قال سبحانه: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) . (65) النساء

فهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على وجوب الانقياد لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في كل صغير وكبير، فقوله تعالى: ( فيما شجر ) يتناول الأمور كلها دون استثناء، وقد جعل الله سبحانه هذه الآية شرطاً في صحة الإيمان، أي إن كان إيمانكم إيماناً صحيحاً فهو يقودكم إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، ومخالفة ذلك الأمر دليل على عدم صحة الإيمان ، وقد أكد المولى سبحانه على هذا الحكم بالقسم إذ قال سبحانه: ( فلا وربك ) أي يقسم الله سبحانه بنفسه المقدسة أن الزاعمين للإيمان لا يؤمنون حقيقة حتى يخضعوا لحكم الله سبحانه ظاهراً وباطناً، ولم يكتف بذلك أيضاً حتى لا يجدوا في أنفسهم حرجاً من قضاء النبي صلى الله عليه وسلم، ويسلموا له تسليماً فالمؤمن الصادق هو الذي لا يرضى بغير حكم الله حكماً، فهو على علم ويقين بأنه لا يجوز له أن يتخير في مسألة حكم الله سبحانه فيها، قال سبحانه: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً ) . (36) الأحزاب

ففي هذه الآية الكريمة ينفي الله سبحانه عن المؤمنين الخيرة من أمرهم إذا جاءهم الحكم من عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومفهوم المخالفة أن الذين يتخيرون بين حكم الله سبحانه وحكم غيره ليسوا بمؤمنين على الحقيقة.

ومن الأمور التي ألزم الله سبحانه بها المؤمنين، التحاكم إلى شرعه المشتمل على كل خير قال سبحانه: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(48) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ). (50) المائدة

فهذه الآيات الكريمة تبين أن الناس إما أن يكونوا خاضعين لحكم الله الحق العدل، وإما أن يكونوا متبعين لأهوائهم غارقين في جاهليتهم، ولا شك من أن المسلم الحق يكون متبعاً لحكم الله سبحانه غير مارق منه، على خلاف أهل الباطل والشبهات فهم متبعون لأهوائهم الجاهلية.

وقد بين الحق سبحانه أن التحاكم إلى غير شرعه كفر وردة قال سبحانه: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) . (44) المائدة.

وقال سبحانه: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً(60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ). (61) النساء

والمتتبع لآيات الله سبحانه المتعلقة بالحكم يجد أن الله سبحانه قد حكم على المخالفين لحكمه المتبعين لغير أمره، بالكفر، والظلم، والفسق، والنفاق، أو بعدم الإيمان، وكل هذا يدل على أن مسألة الحكم لا تتعلق بمسائل فرعية، بل هي مسألة من صميم العقيدة لا يزيغ عنها إلا أصحاب الأهواء والشبهات الباطلة الذين لم يترسخ الإيمان في قلوبهم الذين يصفهم الله سبحانه بصريح العبارة بالنفاق والكفر، وذلك أن الخضوع لغير حكم الله خضوع لحكم الطاغوت الذي أمرنا باجتنابه ، قال سبحانه: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) . (36) النحل

وقال سبحانه: ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ(17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) . (18) الزمر

بل إن الكفر بالطاغوت شرط لصحة الإيمان وذلك لقوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . (256) البقرة

فقدم الله سبحانه الكفر بالطاغوت على الإيمان به من باب ارتباط الأمر بلازمه، أي لا يصح الإيمان إلا بالكفر بالطاغوت، فمن لم يكفر بالطاغوت لا يكون مؤمناً في حقيقة الأمر. وهذا ما بينه صلى الله عليه وسلم بقوله: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه ) . حديث صحيح رواه مسلم

فالذي ينتفع بالشهادة، هو الذي يعبد الله سبحانه وحده، ويكفر بكل ما سواه، ومن تحاكم إلى غير حكم الله سبحانه عالماً غير جاهل، راضياً غير مكره، فقد وقع في الكفر والشرك أعاذنا الله سبحانه من ذلك، ذلك أن التحاكم إلى غير الشرع عبادة لغيره سبحانه قال تعالى: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) . (40) يوسف

ففي هذه الآية الكريمة ربط المولى سبحانه الحكم بالعبادة: ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ) . وقد دل سياق الآية على الحصر، أي لا يكون الحكم إلا لله، فلا يكون لغيره بأي حال أو تحت أي ظرف، بل الواجب على المسلمين أن يُرجعوا الأمور المتنازع فيها إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) . (59) النساء

وعليه لا يكون الحكم إلا لله سبحانه، وإن خلاف ذلك كفر وردة عن الإسلام، - لازم هذا القول ليس بلازم أي لا يلزم من قولي هذا إنني أكفر كل من يتحاكم إلى غير شرع الله، فالحكم على المسألة شيء، والحكم على المعين شيء آخر-.

فكل حكم يخالف حكم الله ورسوله فهو كفر، ومن ذلك ما يسمى بالديمقراطية والعلمانية وغيرها من المسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي محض حكم الطاغوت الذي أُمر المسلمون أن يكفروا به، فلا يُتصور من مسلم فاسق يتحاكم إلى غير شرع الله، لأن ذلك كما بين الله سبحانه كفر، وشتان بين الكفر والمعصية، فالكفر أكبر من الكبائر، فكيف بالمسلم المتبع؟!

وما يسمى بالانتخابات التشريعية، من الكفر لأن ذلك تحاكم إلى غير شرع الله، فهي تعني أن السيادة المطلقة للشعب، فالشعب هو الذي يختار الأحكام التي تطبق عليه، فإن أراد الإسلام يحكم به، وإن أراد غيره فله الخيار، وإن اختلف الشعب في الأمر يرجع الحكم إلى رأي الأغلبية، أي أغلبية الشعب، وهذا لا شك من الكفر البواح وذلك للأمور التالية:

أولاً: أن المؤمن ملزم بالتحاكم إلى شرع الله سبحانه فهو غير مخير في المسألة قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً ) . (36) الأحزاب

قال ابن كثير: فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هاهنا، ولا رأي ولا قول، كما قال تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) . النساء:65 وفي الحديث: ( والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) . ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال: ( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) ، كقوله تعالى: ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) النور:63. تفسير القرآن العظيم.

وقال الطبري رحمه الله تعالى: يقول تعالى ذكره: لم يكن لمؤمن بالله ورسوله، ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيروا من أمرهم غير الذي قضى فيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فيعصوهما، ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا (فقد ضل ضلالا مبينا) يقول: فقد جار عن قصد السبيل، وسلك غير سبيل الهدي والرشاد. جامع البيان للطبري.

فهذه الآية تبين أنه ليس للمؤمن الخيار إذا قضى الله ورسوله أمراً، بل مخالفة أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ضلال مبين، وجعل الأمر راجعاً إلى رأي الأغلبية يعتبر خروجاً عن أحكام الله سبحانه، فقد بين الله في محكم التنزيل أن الحكم لا يكون إلا له قال سبحانه: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) . (40) يوسف. ويأتي هؤلاء ليقولوا لنا: إن الحكم الذي يطبق علينا هو رأي الأغلبية، فهل بعد ذلك من ضلال؟

ثانياً: جعل الشعب هو مصدر التشريع منازعة لله سبحانه، فالله هو المشرع، ولا حكم مع حكمه، ولا قضاء مع قضائه، قال سبحانه: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) . (88) القصص.

وهذا السياق يقتضي الحصر، إذ تقديم ما حقه التأخير، على ما حقه التقديم، من موجبات الحصر، فكما أن العبادة لله سبحانه لا تكون لغيره، كذلك الحكم لا يكون إلا لله، ومن نصّب نفسه مشرعاً من دون الله فقد ضل ضلالاً مبيناً، قال سبحانه: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) . (21) الشورى.

قال ابن كثير: وقوله: ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس، من تحريم ما حرموا عليهم، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل الميتة والدم والقمار، إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة، التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم، من التحليل والتحريم، والعبادات الباطلة، والأقوال الفاسدة. تفسير القرآن العظيم لابن كثير.

وقال ابن عاشور رحمه الله تعالى: ومعنى الاستفهام تقضيه ( أم ) التي للإضراب هو هنا للتقريع والتهكم، فالتقريع راجع إلى أنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، والتهكم راجع إلى من شرعوا لهم من الشرك، فسئلوا عمن شرع لهم دين الشرك: ألهم شركاء آخرون اعتقدوهم شركاء لله في الإلهية وفي شرع الديان كما شرع الله للناس الأديان؟ وهذا تهكم بهم لأن هذا النوع من الشركاء لم يدعه أهل الشرك من العرب. وهذا المعنى هو الذي يساعد تنكير ( شركاء ) ووصفه بجملة ( شرعوا لهم من الدين ) . أهـ تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور.

ثالثاً: وضع دستور للشعب من تلقاء نفسه، يعتبر تحاكماً إلى الطاغوت الذي أُمر المسلمون أن يكفروا به قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً(60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ). (61) النساء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذه الآيات: ( لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم وقد أمروا أن يكفروا بهم. وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله سبحانه وتعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً(60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً). (62) النساء.

فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول - والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته - أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علماً وعملاً بهذه الطريق التي سلكناها والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية. أ هـ الفتاوى 5/18 .

وقال في تفسير قوله تعالى: ( وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ(47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) النور ـ 47 ـ 51.

فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن، وأن المؤمن هو الذي يقول: سمعنا وأطعنا، فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره، مع أن هذا تركٌ محض، وقد يكون سببه الشهوة، فكيف بالتنقص والسب ونحوه؟ أهـ الصارم المسلول.

قال ابن القيم في أعلام الموقِّعين (1/85) : ( ثم أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة له ) .أهـ

وقال أيضاً: ( أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يُحكِّموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه ولم يكتف منهم أيضاً بذلك حتى يسلِّموا تسليماً وينقادوا انقياداً ) . أهـ إعلام الموقعين 1/86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت