نشر يوم 06- 12- 2006
"محمد بن شاكر الشريف"
مقدمة:
منذ عهد الاستعمار الحديث الذي حل في ربوع المسلمين، الذي سموه زوراً وبهتانا بـ (عصر التنوير) بدأت تطرق آذاننا ألفاظ لمسميات لم نسمع بها من قبل ذلك نحن ولا آباؤنا، من ذلك كلمة «الدولة المدنية» التي يبشر القائلون بها والداعون إليها، بأن كل أزمات المسلمين في العصر الحاضر من الاستبداد السياسي إلى التخلف التقني، إلى الفقر والبطالة وتدني الخدمات، أن كل ذلك سيزول بمجرد أن تتحول دولنا إلى دول مدنية.
ولما كانت المنافع المعلقة على هذا التحول منافع كبيرة يحرص كل إنسان يريد الخير لأمته ومجتمعه على الحصول عليها، كان لا بد لنا من معرفة مدلول هذا اللفظ حقيقةً قبل قبوله والدعوة إليه، حتى لا نذهب إليه ثم يتبين لنا ما فيه من الفساد العريض، لكن بعد أن يكون قد فاتنا القطار. فماذا تعني الدولة المدنية؟
هل يراد بالدولة المدنية: التعليم الحديث واستخدام التقنية المعاصرة في شتى مناحي الحياة، والإدارة الحديثة، والتوسع في العمارة وإنشاء الطرق السريعة؟ قد يكون هذا بعض المطلوب، لكن هل هذا هو المطلوب أو كل المطلوب؟ وهل يكفي أم لا بد من شيء آخر؟ وهل الشيء الناقص يعد جوهرياً أو ثانوياً؟ ولما كان الحديث طويلاً متشعباً لكثرة المتكلمين في ذلك فقد لا نتمكن من إيراد كل ما قيل في الموضوع، لكننا نأمل أن تكشف لنا هذه الورقة عن حقيقة ذلك الأمر.
< الدولة المدنية في التراث الإسلامي:
بالتقليب في كتبنا السابقة التي تحدثت عن الأحكام السلطانية أو السياسة الشرعية لا نجد لهذا المصطلح وجوداً مع أن مفرداته: «الدولة» و «المدنية» هي من مفردات لغتنا، مما يتبين معه أن المصطلح مستورد من بيئة غير بيئتنا ـ وهذا في حد ذاته ليس عيباً، لو أنه كان لا يحمل مضموناً مخالفاً لما هو مقرر في ديننا ـ وعليه فإن محاولة البحث عنه في تراثنا لن تجدي شيئاً، وعلينا أن نبحث عن معناه في البيئة التي ورَّدته إلينا، ثم ننظر في معناه في تلك البيئة: هل يناسبنا فنقبله، أم يتعارض مع ديننا فنرفضه؟
ولعل هذا ما دعا بعض الكتاب إلى القول: «بما أن مصطلحات الدولة المدنية، والدينية (الثيوقراطية) ، و (الأوتوقراطية) مصطلحات نشأت في الغرب أساساً، فلا بد قبل أن نسعى إلى تطبيقها على واقعنا، أو نقرر رفضها وقبولها اجتماعياً ودينياً، أن نستوعب معانيها كما هي في الثقافة التي أنشأتها، وأي منها يتعارض مع الإسلام ويتفق معه» (1) .
لكن عدم وجود المصطلح نفسه في تراثنا، هل يعني أن المضمون الذي يحمله ـ سواء بالسلب أو الإيجاب ـ لم يكن موجوداً أيضاً؟
الدَّوْلة تعني في اللغة الغَلَبة، والغلبة يترتب عليها سلطان للغالب على المغلوب، ومن هنا يمكن القول إن العامل الأساس في تعريف الدَّولة هو السلطان أو السلطة، فإنه راجع إلى أصلها اللغوي، وفي كثير من كتب القانون الدستوري يعرِّفون الدولة عن طريق بيان أركانها دون الحديث عن ماهيتها، وأركان الدولة كما يجيء في هذه الكتب ثلاثة: ركن جغرافي يطلق عليه لفظ (إقليم) وهو متمثل في قطعة محددة من الأرض، وركن إنساني يطلق عليهم (شعب) وهو متمثل في مجموعة من الناس تعيش في هذا الإقليم، وركن معنوي يطلق عليه (السلطة العامة المستقلة ذات السيادة) وهو متمثل في الحكومة التي تملي إرادتها على ذلك الإقليم وما حواه من مخلوقات أو موجودات، وهذا الركن الأخير يتفق مع المعنى اللغوي في الدلالة على الدولة.