فهرس الكتاب

الصفحة 19847 من 27364

وإذا كان كثير ممن كتب في السياسة الشرعية يقتصرون في كلامهم على ما يتعلق بالدولة في ديار الإسلام، ولا يتعدون ذلك إلى تفسير تنوع الدول، فإننا نجد ابن خلدون ـ رحمه الله تعالى ـ يقدم تفسيراً في ذلك حيث يبين أنه نظراً لاختلاف الإرادات والمقاصد بين الناس وملوكهم؛ فقد يجر ذلك إلى هرج وتقاتل، فكان لا بد للتغلب على هذا الاحتمال من «أن يُرجَع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة، وينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم، وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها، ولا يتم استيلاؤها {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ} [الأحزاب: 62] » ثم يبين أنواع السلطة في الدولة فيقول: « فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبُصَرَائها كانت سياسة عقلية، وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرِّعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة» . فهو يفرق هنا بين سياسة عقلية وهي الأشبه بما يدعونه الدولة المدنية، وبين سياسة دينية، ثم يقدم ـ رحمه الله تعالى ـ أصول التنوع الكامل للدول فيقول: «إن الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغَرَض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأُخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة؛ فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به» (1) فكانت الدولة عنده ثلاثة أنواع:

ـ دولة قائمة على حمل الناس على مقتضى الغرض والشهوة، وهي ما يمكن أن نطلق عليه: (الدولة المستبدة) أو (الديكتاتورية) .

ـ ودولة قائمة على حمل الناس على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، وهي ما يمكن أن نطلق عليه (الدولة المدنية) .

ـ ودولة قائمة على حمل الناس على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، وهو ما يمكن أن نطلق عليه (الدولة الإسلامية) أو (الشرعية) .

< الدولة المدنية في الثقافة الغربية:

الدولة المدنية: «هذا مفهوم مترجم ومعرب من الثقافة الغربية الحديثة، ويقصد به الدولة التي تستقل بشؤونها عن هيمنة وتدخل الكنيسة؛ فالدولة المدنية هي التي تضع قوانينها حسب المصالح والانتخابات والأجهزة والتي في نفس الوقت لا تخضع لتدخلات الكنيسة» (2) . والكنيسة في الغرب كانت هي راعية الدين والممثلة له؛ فاستقلال الدولة المدنية عن تدخل الكنيسة ووضعها للقوانين حسب المصالح، معناه عند القوم استقلالها عن الدين (3) ، وهو ما يعني أن الدولة المدنية هي الدولة العلمانية.

ويقول كاتب آخر: «فمن الناحية التاريخية إذا رجعنا إلى أصل اصطلاحها الغربي، نجد أن للدولة المدنية مفهوماً فلسفياً ـ سياسياً، مناقضاً للدولة الدينية (الثيوقراطية) ، والتي يتأرجح مفهومها (نظرياً) بين حكم رجال الدين، وتحكيم الدين نفسه في السياسة؛ بغضِّ النظر عن طبيعة من يحكم به! ويتمثل مفهومها عملياً بتنحية الدين عن السياسة مطلقاً؛ باعتبار الدين هو مجموعة قوانين إلهية مميزة للدولة الدينية... فكانت الدولة المدنية بمبدئها الرافض لتدخل الدين في السياسة دولة علمانية.. وأنها تمثل عبر التاريخ سواء في الشرق أو الغرب عند دعاتها إطاراً سياسياً للعلمانية قابلاً لتوظيف أي اتجاه فلسفي إيديولوجي في الحياة؛ بشرط تنحية الدين عن السياسة» (4) . «الحكومة المدنية في الفضاء المعرفي الغربي تعني تنظيم المجتمع وحكمه بالتوافق بين أبنائه بعيداً عن أي سلطة أخرى سواء دينية أو غيرها، أي إن شرط (العلمانية) أساسي في تلك الحكومات» (5) .

وإذا رجعنا إلى الوراء ثمانين سنة إلى أول من أدخل هذه المصطلحات إلى بيئتنا أو من يُعد من أولهم نجد الكلام نفسه حيث يقول: «طبيعي ومعقول إلى درجة البداهة أن لا توجد بعد النبي زعامة دينية، وأما الذي يمكن أن يتصور وجوده بعد ذلك فإنما هو نوع من الزعامة جديد ليس متصلاً بالرسالة ولا قائماً على الدين، هو إذن نوع لا ديني، وإذا كانت الزعامة لا دينية فهي ليست شيئاً أقل ولا أكثر من الزعامة المدنية أو السياسية، زعامة الحكومة والسلطان لا زعامة الدين، وهذا الذي قد كان» (1) ؛ فالدولة (الزعامة) المدنية عنده هي دولة (زعامة) لا دينية.

والمتابع لما يُكتَب هذه الأيام عن الدولة المدنية يمكنه رصد اتجاهات أربعة في بيان ما تعنيه الدولة المدنية، كلها تدور حول ما تقدم من معنى، سواء بالموافقة عليه أو المخالفة له.

الاتجاه الأول: وهو يمثل مَنْ قَبِل هذا المصطلح كما جاء من الغرب:

وهذا الاتجاه يمكن تقسيمه إلى فئتين:

فئة قبلت اللفظ ومفرداته لكن لم تصل به إلى غايته، أما الفئة الثانية فقد وصلت باللفظ إلى غايته وصرحت بأن الدولة المدنية هي الدولة العلمانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت