فهرس الكتاب

الصفحة 5166 من 27364

د. محمد عمارة يكتب عن"العلمانية"ونشأتها

الاثنين:09/09/2002

(الشبكة الإسلامية) د. محمد عمارة

مصطلح"العلمانية"هو الترجمة التي شاعت بمصر والشرق العربي للكلمة الإنجليزية secula r ism بمعنى الدنيوي، والواقعي، والعالمي .. ذلك لأن العلمانية هي نزعة فلسفية وفكرية وسياسية واجتماعية ترى العالم مكتفيًا بذاته، تدبره الأسباب الذاتية المودعة فيه .. فالعالم والواقع والدنيا هي مرجعية التدبير للاجتماع الإنساني والدولة والحياة، ومن ثم فإن الاجتماع والحياة والدولة ليست في حاجة إلى مدبر من خارج هذا العالم من وراء هذه الطبيعة.. والإنسان مكتف بذاته، يدبر شؤونه ويبدع قيمه ونظمه بواسطة العقل والتجربة، وليس في حاجة إلى شريعة سماوية تحكم هذا التدبير..

فالعلمانية - لذلك- تضبط بفتح العين، لأنها نسبة إلى العالم، أي الدنيا والواقع الدنيوي، فهي مصدر غير قياسي، إذ القياسي فيها هو"العالمانية"-نسبة إلى العالم- وهناك في المغرب العربي من يترجمها"بالدنيوية".

ولقد نشأت العلمانية - بأوربا- في سياق النهضة الحديثة، وكانت من أبرز معالم فلسفة التنوير الوضعي الغربي، التي جابه بها فلاسفة عصر الأنوار - في القرنين السابع عشر والثامن عشر- سلطة الكنيسة الكاثوليكية، بعد أن تجاوزت هذه الكنيسة الحدود التي رسمتها لها النصرانية، وهي خلاص الروح، ومملكة السماء، وترك ما لقيصر لقيصر، والاقتصار على ما لله .. لقد تجاوزت الكنيسة حدود رسالتها واختصاصاتها، فبعد عصور من سيادة نظرية"السيفين"THEO r Y OF THE TWO SOW r DS أي السيف الروحي - أو السلطة الدينية للكنيسة- والسيف الزمني - أي السلطة المدنية للدولة- جمعت الكنيسة السلطتين معًا، فضمت ما لقيصر إلى ما للكنيسة واللاهوت في ظل نظرية"السيف الواحد"THEO r Y OF ONE SOW r D.

وتحت حكم"البابوات- الأباطرة"أضفت الكنيسة قداسة الدين وثباته على المتغيرات الدنيوية والاجتماعية - أفكارًا وعلومًا ونظمًا- فرفضت وحرّمت وجرّمت كل ما لا وجود له في الأناجيل، وبذلك دخلت أوربا عصورها المظلمة، الأمر الذي استنفر رد الفعل العلماني، الذي حرر الدنيا من كل علاقة لها بالدين.. ففي مواجهة الكهنوت الكنسي الذي قدس الدنيا وثبتها، وجعل اللاهوت النصراني - وهو خالٍ من الفلسفات المنظِّمة للدولة والاجتماع- المرجع الوحيد للسياسة والعلم والدولة والاجتماع- في مواجهة هذا الفعل، جاء رد الفعل العلماني لينزع كل قداسة عن كل شؤون الدنيا، وليحرر العالم من سلطان الدين، وليعزل السماء عن الأرض، جاعلا العالم مكتفيا بذاته، والإنسان مكتفيا بذاته، والاجتماع والدولة والنظم والفلسفات محكومة بالعقل والتجربة، دونما تدخل من الدين.

ولقد ساعدت الملابسات التي نشأت فيها العلمانية، وكذلك المواريث الدينية والفلسفية الغربية على هزيمة الكنيسة، وتراجع اللاهوت النصراني أمام النزعة العلمانية.

فلقد كان التخلف الأوربي شاهدا على فشل الحكم الكنسي الكهنوتي.. وكان موقف النصرانية، الذي يدع ما لقيصر لقيصر، ويقف بالكنيسة ولاهوتها عند خلاص الروح ومملكة السماء سلاحًا بيد العلمانية ضد اغتصاب الكنيسة للسلطة الزمنية.. وكانت الفلسفة اليونانية - وخاصة عند أرسطو [384-322ق م] - والتي رأت الذات الإلهية مجرد خالق ومحرك أول للكون، ترك تدبيره ورعايته للأسباب المادية المودعة فيه -أي أن العالم مكلف بتدبير ذاته، لا يحتاج إلى مدبر مفارق له-.. كانت هذه الملابسات الواقعية والمواريث الدينية والفلسفية - في أوربا- عونًا لانتصار العلمانية على الكنيسة وسلطانها..

ولقد تميز في إطار فلاسفة العلمانية الأوربية تياران:

-تيار مادي ملحد طمح إلى تحرير الحياة - كل الحياة - من الإيمان الديني.. وكانت الماركسية أبرز إفرازات هذا التيار.

-أما التيار الثاني، فهو مؤمن بوجود خالق للكون والإنسان، لكنه يقف بنطاق عمل هذا الخالق عند مجرد الخلق، فيحرر الدولة والسياسة والاجتماع من سلطان الدين، مع بقاء الإيمان الديني علاقة خاصة وفردية بين الإنسان وبين الله.. ومن فلاسفة هذا التيار هوبز HOBBES [1588-1679م] ، ولوك LOKE [1632-1716] ، وليبينز LEIBNIZ [1646-1716] ، وروسو r OUSSEAU [1712-1778] ، وليسينج LESSING [1729-1871] ..

ولقد ظلت العلمانية خصوصية غربية حتى القرن التاسع عشر، عندما جاءت إلى بلادنا الإسلامية في ركاب النفوذ الأجنبي والاستعمار الغربي الحديث.. وإذا كانت مصر - بحكم الموقع والسبق في التطور.. والاستقلال النسبي عن السلطان العثماني منذ ولاية محمد علي باشا [1148-1265هـ 1770-1849م] عليها- 1805م- قد مثلت طليعة الأقاليم الشرقية في التأثر بالفكر الأوربي - ومنه العلمانية - فلقد كان وفود العلمانية إليها نموذجًا لتسللها من أوربا إلى بلاد الشرق الإسلامي في ركاب النفوذ الأجنبي والاستعمار الحديث ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت