فهرس الكتاب

الصفحة 5167 من 27364

فبعد تحطيم النظام الحمائي للصناعة والتجارة - الذي أقامه محمد علي باشا في مصر- زاد نفوذ التجار الأجانب، ونشأت على عهد الخديوي سعيد، في سنة 1272 هـ 1855م- أول محكمة تجارية مختلطة بين المصريين والأجانب-"مجلس تجار"- تسلل إليها القانون الوضعي الفرنسي.

ومع تزايد أعداد الجاليات الأجنبية ونفوذها- وخاصة بعد عقد اتفاقية حفر قناة السويس- نشأت"المحاكم القنصلية"لتقضي في المنازعات الناشئة بين المصريين وبين الأجانب، وقضاتها أجانب، ولغتها أجنبية، وقانونها وضعي علماني..

ولما زادت فوضى"القضاء القنصلي"- الذي توزعته سبع عشرة محكمة قنصلية- نظمت هذه الفوضى 1875م بإنشاء"المحاكم المختلطة"- وقضاتها أجانب، ولغتها فرنسية، وشريعتها هي قانون نابليون-..

وبعد أن كان هذا الاختراق - في المحاكم القنصلية.. ثم المختلطة- مقصورا على المنازعات التي يكون أحد طرفيها أجنبيًا حدث تعميم لبلوى هذا الاختراق العلماني في كل"القضاء الأهلي"- أي فيما عدا المحاكم الشرعية- التي انحصر اختصاصها في شئون الأسرة والأحوال الشخصية- وكان ذلك عقب استعمار الإنجليز لمصر، فيما سمي"بالإصلاح القضائي"1883م.

ولقد استعان الغرب الاستعماري بنفر من أبناء الأقلية المارونية، الذين تربوا في مدارس الإرساليات التنصيرية بلبنان، في الدعوة إلى نموذجه الحضاري العلماني.. فكان فرح أنطون [1291-1340هـ 1874-1922م] أول دعاة العلمانية في بلادنا.. ثم تخلّق للعلمانية تيار فكري بلغ ذروته في كتاب الشيخ علي عبد الرازق [1305-1386هـ 1887-1966م] عن (الإسلام وأصول الحكم) - الذي صدر 1925م- مصورا الإسلام -كالنصرانية- دينا لا دولة، ورسالة لا حكمًا، يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله..

وفي مواجهة هذا التسلل العلماني إلى بلادنا، كانت مقاومة تيار الإحياء والتجديد الديني لعلمنة القانون والنهضة.. فلقد رأى هذا التيار الإحيائي التجديدي في العلمانية عدوانا على شمولية المنهاج الإسلامي- لأنه دين ودولة، وجامع بين ما لقيصر وما لله.. ولأن نطاق عمل الذات الإلهية - في التصور الإسلامي، ولا يقف عند مجرد الخلق، وإنما هو - سبحانه وتعالى - خالق ومدبر للعالم والاجتماع بواسطة الشرائع والرسالات {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف:54] ، {قل إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له} [الأنعام: 162، 163] .

فكان رفاعة الطهطاوي [1216-1290هـ 1801-1873] أول من انتقد تسلل القانون التجاري لنابليون إلى المجالس التجارية في الموانئ التجارية، ودعا إلى تقنين فقه المعاملات الإسلامي"الوافي بتنظيم المنافع العمومية، لأن بحر الشريعة الغراء لم يغادر من أمهات المسائل صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحياها".

ونهض القانوني البارز محمد قدري باشا [1237-1306هـ 1821-1888م] -وهو من تلامذة الطهطاوي- بتقنين فقه معاملات المذهب الحنفي، ليقدم البديل الإسلامي في القانون، كجزء من الرفض والمقاومة للقانون الوضعي العلماني.

ولقد عبر الإمام محمد عبده [1265-1323هـ 1849-1905م] - بلسان مدرسة الإحياء والتجديد الإسلامي- عن ضرورة إسلامية النهضة، لأن الإسلام - على عكس النصرانية- منهاج شامل"فهو كمال للشخص، وألفة في البيت، ونظام للملك.. ولأن سبيل الدين لمريد الإصلاح في المسلمين سبيل لا مندوحة عنها..".

ومنذ ذلك التاريخ، ظل التدافع سجالا- في واقعنا الفكري والقانوني والسياسي- بين دعاة العلمنة لمشروعنا النهضوي وبين دعاة إسلامية هذا المشروع.

وعندما أعادت مصر صياغة قانونها المدني، الذي وضعه الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا [1343-1391هـ 1895-1971م] والذي طبق عقب إلغاء الامتيازات الأجنبية 1948م، زادت في هذا القانون مرجعية الشريعة الإسلامية عنها في سابقه الذي وضع 1883م..

ولما وضعت مصر دستورها الجديد 1971م نصت مادته الثانية على أن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للقوانين .. وفي التعديل الذي تم الاستفتاء عليه لهذه المادة 1980م غدت الشريعة هي المصدر الرئيسي للقوانين، فانفتح بذلك الباب الدستوري أمام المشرع المصري لأسلمة القانون، ولإجلاء العلمانية عن المواقع التي احتلتها في بلادنا تحت نفوذ وحراب الاستعمار.

ــــــــــــــــــــــــــ

مراجع:

1.الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي، دراسة وتحقيق: د.محمد عمارة. طبعة بيروت 1973.

2.الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، دراسة وتحقيق: د.محمد عمارة. طبعة دار الشروق. القاهرة 1993.

3.تقويم النيل، لأمين سامي باشا. طبعة القاهرة 1936م.

4.عصر إسماعيل، لعبد الرحمن الرافعي. طبعة القاهرة 1948.

5.العلمانية بين الغرب والإسلام، للدكتور محمد عمارة. طبعة دار الوفاء. القاهرة 1996.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت