فهرس الكتاب

الصفحة 10332 من 27364

د. عَلِيُّ بِنِ إِبْرَاهِيْمَ النَّمْلَةِ 21/2/1428

المنهج في نقد الاستشراق

الالتقاء بين الثقافات

وسائل الحوار بين الثقافات

المنهج في نقد الاستشراق

• الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله محَمَّد ابن عبدالله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد:

• فهذه وقفات حول"محور العالم وثقافة الكراهية: حول التعصُّب والهيمنة وصراع الثقافات", الذي تقيمه رئاسة الحرس الوطني, المهرجان الوطني للتراث والثقافة, في دورته الثانية والعشرين, سنة 1428هـ/ 2007م. رأيت أنْ أسهمَ فيه بمحدِّد من محدِّدات العلاقات بين الثقافات في العالم المعاصر, لاسيَّما بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية, التي تتكِّئ على خلفية دينية. معتبرًا أنَّ الاستشراق القديم والمعاصر (أو ما يعبَّر عنه رضوان السيِّد وعبد النبي أصطيف بالاستشراق الجديد) , (1) هو أحد أبرز هذه المحدِّدات؛ بما أسهم الاستشراق به من جهود إيجابية, وأخرى سلبية, في سبيل اقتلاع جذور الكراهية بين الثقافة الإسلامية والثقافات الغربية, أو ترسيخها.

• على أنَّ عبد النبي أصطيف يقصد بالمصطلح"الاستشراق الجديد"مقصدًا جديدًا, ينحصر في اهتمام الشرقيين (الداخليين) وتولِّيهم"المسؤولية كاملةً في إنتاج كلِّ ما يتَّصلُ بتاريخهم ومجتمعاتهم وثقافاتهم من معرفة, وألاَّ يعتمدوا كلَّ الاعتماد, أو جلَّه, على"الآخر"ـ الغربي بشكلٍ خاصٍّ ـ في إنتاج هذه المعرفة؛ لأنَّهم عند ذلك يغامرون, إنْ لم يكونوا يقامرون, بأمنهم واستقرارهم ومستقبلهم. والأمن الحقيقي هو الأمن المعرفي, الذي يكفُلُ المعرفة, التي يحتاجُها الشرقيُّون لفهم ماضيهم, واستيعاب حاضرهم, وبناء مستقبلهم" (2) .

• لا بُدَّ من التوكيد أنَّ النبرةَ العامَّة حول الاستشراق, لدى كثير من الباحثين العرب, تتركَّز في أنَّه ظاهرةٌ لم تكُن إيجابيَّةً, في انطلاقتها مع التراث العربي الإسلامي. وأنَّ هذه النبرة التي توارثها رهطٌ من الكُتَّاب العرب والمسلمين المعنيين بالثقافة الإسلامية لم تكن, في مجملها, موضوعيةً في حكمها على الاستشراق, ممَّا ولَّد جدلاً حول مدى الخدمات الجليلة التي قدَّمها الاستشراق, في مقابل تلك التي خدم بها الاستشراقُ المصالحَ الغربية, الدينية منها والاستعمارية والسياسية, ثم الاجتماعية, وكون الاستشراق عونًا على بسط الهيمنة الغربية, بأشكالها المختلفة, على العالم الآخر, بما فيه العالم الإسلامي, فجاء معظم إنتاجه المعرفي متَّسمًا بالتعالي على المدروسين, وإشعار هؤلاء المدروسين بالرقي والتفوُّق الذهني عليهم,"لذلك حفلت الكتابات"العلمية"الاستشراقية بالصور النمطية عن الإنسان الشرقي, كما يتوقَّعه الغرب, أو كما يريده أنْ يكون. أراد الاستشراق, بكلِّ تيَّاراته وممثِّليه, أنْ يكون الدارسَ المترفِّعَ المتعالي المنكبَّ على دراسة الشرقي انكبابه على أيِّ موضوع بيولوجي أو فيزيائي. ولذلك لم يوجد"استغراب"يدرس من خلاله الشرقي دارسه الغربي. ولأنَّ الطرفين غير متكافئين لم يكن ذلك بالوارد على خاطر مجتمع غربي يعتبر كلَّ الوجود (بما فيه الإنسان الآخر) موضوعًا لمعرفته العلمية وبالتالي لسيطرته" (3) .

• من السهل على المرء, حتَّى لا ُيتَّهم في انتمائه لثقافته, أنْ يركب موجة الهجاء التي يواجهها الاستشراق, فيسلم من الاتِّهامات السريعة. ولكنَّ هذه الموجة لا تخدم الثقافة الإسلامية, في مجال انتشارها في البيئة التي نشأ بها المستشرقون. وفي مجال نشر الثقافة الإسلامية, التي نعتقد أنَّ العالم, اليوم, بحاجة إليها. ولا يعني هذا الموقف الموصوف بالموضوعية, التغاضي عن المآخذ على الاستشراق؛ لأنَّها مآخذُ يصعب التغاضي عنها.

• إنَّما المراد هنا هو توخِّي الحذر في إطلاق الأحكام, والعزوف عن التعميم فيها, بحيث يضارُّ رهطٌ من المستشرقين, الذين كانت لهم أيادٍ تُذكر في سبيل خدمة التراث الإسلامي, وتقديم الثقافة الإسلامية للآخر, رغم وقوع بعضهم في أخطاء علمية, فرضها عليهم عدمُ انتمائهم إلى ثقافة يتحدَّثون عنها, وجهلُ بعضهم باللغة العربية التي جاءت بها هذه الثقافة.

• برغم هذه النظرة, التي تتوخَّى الموضوعية في الحكم, إلاَّ أنَّ عبد النبي أصطيف لا يملك أنْ يُغفلَ ما كان للاستشراق من آثار سلبية؛ لكونه"منتجًا ثقافيًّا إنسانيًّا محكومًا بظروف المواجهة بين منتجها (الغرب) وموضوعها (الشرق) , وبمواقف طرفي هذه المواجهة, وأهوائهم, وأفكارهم المسبَّقة كلٍّ على الآخر, ومصالحهم الدنيوية في عالمٍ تحفِّزه المصالح أكثر ممَّا تحفِّزه القيم والمبادئ" (4) . على أنَّه من المؤكَّد في ضوء الأحداث الأخيرة في المنطقة غلبة الأفكار والاعتقادات على المصالح الآنية, ممَّا يعني أنَّ المصالح ليست, بالضرورة, هي التي تسيِّر العلاقات دائمًا, كما هو الاعتقاد السائد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت