إيمان الزهيري
حصلت العولمة كغيرها من الظواهر الجديدة على أنصار ومعارضين واستناداً إلى مروجيها فإن العولمة تعني تصغير العالم و حرية التبادل التجاري والسلعي وحرية انتقال الأشخاص أما معناها اللغوي هو إضفاء صبغة واحدة على العالم وعلى كل من يعيش فيه مع توحيد الأنشطة الثقافية والاجتماعية والفكرية لكافة الأديان والأمم والجنسيات والثقافات
وتعود بداية مصطلح العولمة إلى بداية التسعينات أي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ولاسيما عندما طالبت أميركا العالم بتوقيع اتفاقية التجارة العالمية وذلك لسيطرة بعض الشركات العابرة للقارات على السوق العالمية مما يؤكد أن العولمة هي اميركية المنشأ
لقد ساهمت العولمة في الدمار الاقتصادي الحالي في ظل الهيمنة المطلقة للشركات الكبرى على البلدان الفقيرة ولم يقتصر توحش العولمة على الدول الفقيرة بل بدأ يأخذ طريقه باتجاه الدول المتقدمة والغنية ، وهذا يعود للأهداف السياسية للعولمة حيث تعمل على تفكيك السيادة السياسية لهذه الدول وذلك ليتقرر مستقبلها خارج حدود وطنها وتصبح فكرة الاستقلال غير مهمة بالنسبة لها و تصبح السيطرة على هذه الدول ليست بيد شعوبها أو حكوماتها وإنما للذي يتحكم بمصير العالم ،هذا هو هدف الشركات الكبرى التي تقود العولمة الاقتصادية فاعتماد السوق كمرجعية وحيدة وإخضاع جميع المجتمعات لنمط اقتصادي واحد موحد عالمياً ولقيم وأنماط تفكير واحدة يفكك قيم الدولة بالمعنى الإنساني ويجعل تعظيم قيمة الربح تتفوق على أية قيم أخرى
ولم يعد هناك شك أن القضية الأساسية التي تطرحها العولمة هي اللامساواة سواء بين الدول الغنية والفقيرة أو داخل هذه الدول سواء كانت هذه الدول غنية أو فقيرة
وكما تطرح أيضاً إمكانية تجسيد نظام هيمنة أكثر شمولاً وقسوة من حيث اعتماد العولمة على المبادلات الحرة دون أي عائق ورفضها لأي اعتبار أخلاقي أو سياسي يمنع حرية الأسواق والتجارة مما يؤدي إلى تعميم الفقر والبؤس من خلال التهميش الجماعي للكتل البشرية في العالم وانسداد الآفاق وتفجر أشكال متجددة من الحروب الداخلية وتعميم الفساد والنهب غير المشروع لرأس المال الاقتصادي ضمن المجتمعات الفقيرة
وهذا ما يدفعنا للتساؤل هل أن العولمة مرادفة للأمركة أو بمعنى أخر هل العولمة هي عبارة عن تحقيق الشروط الأساسية لاستقرار أميركا أو لتعميم النموذج الأميركي في الحياة
يرى الباحثون أن العولمة تجسد نظام هيمنة أكثر شمولاً وقسوة من كل ما عرفته البشرية في السابق ، عن طريق تشجيع نظام الهيمنة الأميركية بشكل أوسع فهي تحمل معها مخاطر التركيز الهائل للثروة المادية والعلمية والثقافية في أيدي فئة قليلة من سكان العالم الذين تتوافر لديهم القدرات والآليات والتكنولوجيا اللازمة للهيمنة ولا يتوقف الأمر عند الهيمنة الأميركية على الثقافة والسياسة و الاقتصاد بل تجاوز ذلك لتصل إلى حد السيطرة على الأمم المتحدة التي أسست لحقوق الإنسان ومجلس الأمن الذي ينقاد للمصالح الأميركية ويزداد تهميشا للشعوب
وربط أحد التقارير الدولية بين ازدهار تجارة المخدرات والعولمة الاقتصادية التي يشهدها العالم وذكر التقرير أن فتح الحدود ورفع القيود على تنقل الأموال أدى إلى تزايد تجارة المخدرات وأشار التقرير إلى أن أموال المخدرات عادة ما تستخدم في تمويل الصراعات وتأجيجها في كل أنحاء العالم
وذكر تقرير آخر للمفوضية العليا لشؤون حقوق الإنسان أن العولمة تؤدي إلى تصاعد مظاهر العنصرية لأن الدول الفقيرة لا تستفيد من نتائج العولمة وهذا الوضع سيزيد اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء وسيؤدي إلى تزايد النقمة
وكانت ماري روبنسون مفوضة الأمم المتحدة السابقة لشؤون حقوق الإنسان قد دعت مؤتمر مكافحة العنصرية وكراهية الأجانب الذي عقد في جنوب أفريقيا إلى بحث تأثيرات العولمة إيمانا منها أن هناك علاقة بين العنصرية والعولمة
والجدير بالذكر أن التحكم بالقرار العالمي في ظل العولمة يرتبط بالتكنولوجيا والتقنية سواء تعلق الأمر بالاقتصاد والمال والسياسة أو المعلومات والإعلام والاتصالات فتطور تكنولوجيا المعلومات يعزز عملية العولمة وهناك من يظن أن شبكة الإنترنت أيضاً هي عبارة عن أداة لهيمنة الثقافة الاميركية
ولكن لو حاولنا أن نجد للعولمة جوانب إيجابية والعمل على توظيف هذه الجوانب بما يخدم مصالحنا في حياتنا العامة لوجدنا أن الانخراط في المعترك الثقافي للعولمة والاندفاع مع المتغيرات المتسارعة لفهم ما يجري في العالم ولاستيعاب التحولات والتغييرات الكبرى التي تعيشها الإنسانية في هذا الوقت الذي يسعى فيه العالم كله للتطور والتقدم أفضل بكثير من الوقوف عاجزين أمام التغيرات الكبيرة التي تحدث في العالم
إن معركة العولمة والاحتجاجات عليها والمظاهرات المنددة بها تعود إلى افتقار العولمة للعدالة واعتبارها حتمية ولطابعها الذي يجلب للإنسانية الاستغلال والتدمير والاستغلال عوضاً عن تحقيق الأمن والعدالة والمساواة.
المصدر:http://www.sana.o r g