فهرس الكتاب

الصفحة 17431 من 27364

استراتيجية بوتين الروسية: من دولة عظمى إلى دولة إقليمية

طلعت رميح * 21/8/1423

عندما وصل بوتين إلى الحكم ، كخليفة روسي معتمد ومعمد من قبل يلتسين -آخر القياصرة الروس-لا شك أن رفاقه القدامى ، في المخابرات الروسية (الكي جي بي) وضعوا على مكتبه أربعة ملفات أولها يلخص الوضع الاستراتيجي الدولي واحتمالات تطوره ، وثانيها يحدد تصورات الدور الروسي الجديد في عالم ما بعد انهيار الشيوعية وليس الاتحاد السوفييتي فقط ،وثالثها يوضح مقومات ومقدرات هذا الدور الروسي وحدوده…أما الرابع فيتعلق بـ"صورة الرئيس الروسي"المطلوبة في هذه المرحلة .

ومن المؤكد أيضًا أن الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي وأوروبا -أيًا كانت تقسيمات هذه الدول -قد وضعت بالمقابل رؤيتها للوضع الاستراتيجي الروسي الجديد، وكيفية حصار هذا الدور المستقبلي وتطويقه، وبل وكسبه أو وضعه ضمن إطار الاستراتيجية الغربية في العالم ، كل حسب مصالحه، حيث تتباين المصالح والرؤى الأمريكية والأوروبية في هذا الشأن.

وإذا كان الحذر واجبًا عند تقديم رؤية للوضع الاستراتيجي الروسي الراهن والمستقبلي بالنظر لهول حدث تفكك وانهيار الاتحاد السوفييتي ولأهمية عامل الوقت ودوره في تعيين استراتيجية جديدة مستقرة للدولة الروسية، وإذا كان بالإمكان القول -كقاعدة عامة- إن الاستراتيجية الروسية في المرحلة الراهنة وفي وصفها المستقبلي تقوم من ناحية الجوهر-على تحقيق مصالح الدولة القومية -مثلها مثل الاستراتيجية السوفيتية القديمة -فالاتحاد السوفييتي كان قائمًا من ناحية الجوهر على هيمنة الروس وسيطرتهم وتحقيق المصالح القومية للروس ..إذا كان هذا وذاك صحيحًا فإنه يمكن القول أيضًا إن الاستراتيجية الروسية في المرحلة الراهنة تقوم داخليًا على تعزيز البناء الداخلي لروسيا وتحديثها وإشاعة أجواء الاستقرار، وفي الخارج تتحدد في إقامة علاقات روسية أوروبية على حساب العلاقات الأوروبية الأمريكية وعلاقات روسية آسيوية (الصين-إيران-الهند) على حساب النفوذ الأمريكي.. وفي كل ذلك لا تغيب عينها عن محاولة استعادة شكل من أشكال السيطرة على الدول التى كانت تحت عباءة الاتحاد السوفييتى السابق أو ما يسمى بملء الفراغ الاستراتيجي حول روسيا الحالية والحد من محاولات الأمريكيين والأوروبيين لحصار روسيا في محيطها الحيوي .

الضعف الروسي واستراتيجيته الراهنة

وبالنظر إلى محيط تحرك هذه الاستراتيجية الروسية فإنه يمكن القول تلخيصًا بأن الحالة الاستراتيجية الراهنة لروسيا هي استراتيجية دولة إقليمية كبرى، بديلاً لاستراتيجية الدولة العظمى السابقة.هذا الوضع الاستراتيجي الجديد -بغض النظر عن النوايا أو الرغبات أو الطموحات-في روسيا أو في بعض مناطق العالم ، هو الوضع الحقيقي الجديد لروسيا وهو الأمر الذى يبدو أن البعض مصمم على عدم إدراكه أو الخلط بينه وبين فكرة ضعف أو انهيار الاتحاد السوفييتي ..أي الخلط بين فكرة ضعف روسيا وفكرة التحول الإستراتيجي الذي طرأ على قدراتها من دولة عظمى سابقة إلى دولة إقليمية كبرى حاليًا، ويكفي هنا الإشارة إلى أن الناتج القومي الروسي يساوي حاليًا عشر الناتج القومي الأمريكي ، ونصف الناتج القومي للهند وأقلَّ من الناتج القومي للبرازيل وربع الناتج القومي للصين كدلالة على الوضع الحقيقي الراهن لروسيا ويكفي أيضًا الإشارة إلى أن الشعب الروسي بات يتناقص عدديًا بمعدلات مقلقة ( انخفض عدد السكان من 151 مليون نسمة في عام 1990 إلى 146 مليون نسمة في عام 1999، وتتحدث دراسة سكانية عن انخفاض هذا العدد إلى 135 مليون في عام( 2025 ) ، وكلها مؤشرات على حالة القدرة الاستراتيجية الروسية.

قضايا ثلاث

ثمة ثلاث قضايا رئيسة يجب إدراكها أولا لفهم الوضع الدولي لروسيا واستراتيجياته الراهنة والمستقبلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت