أساس شرعية الحاكم المسلم أن يحكم بشرع الله.
لكل أمة أساس لحكمها، يتضمنه دستورها وقوانينها المنبثقة عنه، وعلى أساس ذلك الحكم تقوم حياتها.
والحكم -في الأصل- عقد بين الأمة والحاكم على ذلك الأساس، ويجب عليهما الوفاء بما تم عليه العقد، لقول الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) )فإذا خرج الحاكم على ذلك الأساس، فقد أهليته في تولي الحكم.
والأمر كذلك إذا تولى حكم الأمة بالتغلب، بدون شورى المؤمنين، كما يحصل في الانقلابات العسكرية ونحوها، فليس للوالي أن يحكم المسلمين بغير دينهم وشريعتهم.
فأساس شرعية حاكم الأمة في الإسلام، هو شرع الله الذي يعد مخالفه خائنا لله ولرسوله وللمؤمنين، خارجا على العدل الذي نزل هذا الشرع لإقامته في الأرض، ولهذا أمر الله ولاة أمر المسلمين بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، فقال تعالى:
(( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) ) [النساء: 58]
وبالحكم بالعدل تتحقق مقاصد شرع الله التي تضمنها كتابه وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، واستنبطها مَن فقَّههم الله في دينه من أهل العلم، وكل حكم خالف شرع الله، فهو ظلم وليس بعدل، وباطل وليس بحق.
وعلى الحكم بالعدل المنزل من عند الله، سار أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة و السلام، كما قال تعالى عن دود عليه السلام: (( وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب(21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط )) [ص: 22]
وقال تعالى آمرا رسوله محمدا r بذلك فقال: (( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون ) ) [المائدة: 49]
وكما أمر الله ولي الأمر بالحكم بشرع الله، أمر الرعية بتحكيمه، ونفى عمن لم يرض بذلك الإيمان، فقال تعالى: (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ) [النساء65]
ولما كانت مخالفة الحكم بشرع الله مؤدية إلى الظلم واختلال نظام الأمة، وضياع حقوقها، وإهدار ضرورات حياتها، وهي: الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وما يتبعها من حاجيات وتحسينيات، استحق المخالفون له الوصف بالكفر والظلم والفسق، كما قال تعالى: (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. ) ) [المائدة: 44، 45،47]
مظاهر الحكم بشرع الله:
وللحكم بشرع الله مظاهر لا تخفى على الأمة:
المظهر الأول: التزام الحاكم والمحكوم طاعة الله وطاعة رسوله.
المظهر الثاني: الاعتراف بأن كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، هما المرجع لما اختلف فيه من الحق، سواء كان الاختلاف بين الرعية، أو بينها وبين الحاكم نفسه.
وقد تضمن هذين المظهرين قوله تعالى: (( يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسولل إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) ) [النساء:59]
ومن أبى أن يرجع في التنازع إلى الله ورسوله (القرآن والسنة) واعتقد جواز تحكيم غير شرع الله، فليس هو بالمؤمن، سواء كان حاكما أو محكوما، وإنما هو من المنافقين أتباع عبد الله بن أبي الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، ويتذرعون بشتى الأعذار لإقصاء شرع الله عن حياة الأمة.
وفي هؤلاء قديما، وفي أمثالهم حديثا، قال الله تعالى: (( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا(60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) [النساء:]
المظهر الثالث: المساواة بين الرعية، مسلمهم وكافرهم: في إعطاء كل ذي حق حقه، وفي إقامة حكم الله على الجميع، دون تفريق بين كبير وصغير وشريف ووضيع وقريب وبعيد، والمساواة في ذلك من مقتضيات العدل، كما قال تعالى: (( يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) ) [المائدة: 8]
ولقد حذر رسول ا صلى الله عليه وسلم أمته من عدم المساواة بين الناس في الأحكام، وبين أن ذلك سبب في هلاك الأمم، كما ثبت في حديث عائشة المتفق عليه، قالت:"إن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا من يكلم فيها رسول ا صلى الله عليه وسلم ؟"
فقالوا ومن يجترئ عليه إلا أسامة حِبُّ رسول ا صلى الله عليه وسلم .