فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 27364

قادة الغرب يقولون : دمروهم بالنووي

علي عبدالعال

فالغرب في هذه المرة يجهر بلا أي مواربة في توجيه التهديد، والتهديد مغلف باستخدام السلاح النووي، على ما في هذا السلاح من خطورة ليست في حجم الدمار الذي يخلفه بمثل ما فيه من قدرة على توسيع رقعة أي مواجهة قد يكون طرفًا فيها. والمواجهة هذه المرة ليست مواجهة أحلاف وتكتلات على مصالح متناقضة، بل مواجهة حضارات بحسب الرؤية الغربية، وهذا الصدام الحضاري الذي نال امتياز التبشير به حكماء ومفكرو الغرب سيقع حتمًا بين أطراف عقائدية وفكرية في الأساس.

في تحذير صريح ومباشر في آن واحد، هدد الرئيس الفرنسي، جاك شيراك، الخميس 19/1/2006م، باستخدام الترسانة النووية لبلاده ضد أي دولة ترعى هجومًا (إرهابيًا) على الأراضي الفرنسية.

وقال شيراك: إن باريس ستكون مستعدة لاستخدام الأسلحة النووية في حال وقوع أي هجوم عليها. جاءت تصريحات الرئيس الفرنسي الذي دأبت الأدبيات الرسمية العربية على اعتباره (صديق العرب والمسلمين في أوروبا) خلال زيارته للقاعدة النووية الفرنسية بجزيرة"ليل لونغ"قبالة سواحل برست بغرب البلاد.

وتحدث شيراك عما وصفه بالتهديدات الجديدة في عالم ما بعد الحرب الباردة. وقال:"إن في العديد من البلدان، تنتشر أفكار متشددة تدعو إلى المواجهة بين الحضارات"، مضيفًا أن زعماء الدول التي:"ستقدم على استخدام الوسائل الإرهايبة ضدنا، عليهم أن يعوا أنهم سيعرضون أنفسهم لرد حازم ومناسب من جانبنا". وقال: إن فرنسا كيفت قواتها النووية بشكل يسمح لها بالرد على التهديدات.

ولم تكن هذه التصريحات الصادرة عن أحد زعماء الأجنحة الغربية العتيقة من النوع العابر بأي حال، خاصة وأنها تأتي في ظل الجدل المثار حول البرنامج النووي لإيران باعتبارها المارد الإسلامي المتشدد الذي يتأهب لتدمير الحضارة الغربية ومعها أمريكا وإسرائيل.

وكانت فرنسا أبدت قلقها حيال البرنامج الإيراني ودعت طهران لوقف عمليات البحث والتطوير في منشآتها النووية. ولما لم يقم دليل واحد لدى الغرب حتى الآن على وجود دولة ترعى الهجمات ضد بلاده شرقية كانت أو غربية، خاصة وأنه ما من عملية هجومية تقع في دولة من الدول الغربية إلا وتصحبها سلسلة من الإدانات والاستنكارات الرسمية، فلابد من الوقوف أمام هذه التصريحات لمعرفة وجهتها الحقيقية والهدف من ورائها.

فقد تحدث شيراك من بين ما تحدث عما وصفه بالتهديدات الجديدة في عالم ما بعد الحرب الباردة. هذه الحرب التي تمخض عنها"حلف شمال الأطلسي"آنذاك في مقابل"حلف وارسو"الشرقي الذي سرعان ما انهار مخلفًا عالم القطب الأوحد والحلف الأوحد الذي شاءت له الظروف أن يأخذ طابع التحالف العسكري الأبدي بين القوى الغربية.

وقد صاحب الأبدية التي تلون بها الحلف الغربي تساؤل قوي ظل يطرح نفسه دون أن يهتدي لجواب..في مواجهة من؟ ظل الغربيون حريصون على بقاء حلفهم العسكري وقد انهار العدو الشرقي!؟.فلا يوجد عدو واضح يمكن توجيه الآلة العسكرية الغربية إليه، ولا توجد أرض معركة ظاهرة للعيان، ولا دولة معينة يمكن إسقاطها لتنتهي عند ذلك حربهم.

ولم يكن الغربيون من السفه حتى يوجهون طاقاتهم لقتال الأشباح.

فمن بين الأوصاف التي خلعها الرئيس الفرنسي على الدول التي حذرها من رعاية الهجمات التي قد تستهدف بلاده دول:"تنتشر فيها أفكار متشددة تدعو إلى المواجهة بين الحضارات". وهذا الوصف لا شك لا ينطبق ـطبقًا للرؤية الغربيةـ سوى على دول المنطقة العربية والإسلامية. ومن ثم فلا مجال لنفي حقيقة التهديد الموجه من قبل الغرب، وهو ما أعلنه الأمريكيون قبل ذلك صراحة فيما يسمى بـ (الحرب على الإرهاب) هذه الحرب التي دارت رحاها وجميع معاركها على أرض إسلامية (العراق، أفغانستان، باكستان، اليمن، السودان، السعودية، الكويت) وأخيرًا (سوريا وإيران ولبنان) ناهيك عن تجنيد الأنظمة المتحالفة مع الغرب ضد شعوبها في هذا المجال.

وأمام هذه الحرب التي أخذ الحلف الغربي بجميع أجنحته يعد لها العدة ـ كما يبدو من خطاباته ـ وهو ما بدى جليًا في التحالف الذي اجتاح الأراضي العراقية بحجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل، واسقاط نظام صدام حسين، تتجلى خطورة وحجم التهديد.

فالغرب في هذه المرة يجهر بلا أي مواربة في توجيه التهديد، والتهديد مغلف باستخدام السلاح النووي، على ما في هذا السلاح من خطورة ليست في حجم الدمار الذي يخلفه بمثل ما فيه من قدرة على توسيع رقعة أي مواجهة قد يكون طرفًا فيها. والمواجهة هذه المرة ليست مواجهة أحلاف وتكتلات على مصالح متناقضة، بل مواجهة حضارات بحسب الرؤية الغربية، وهذا الصدام الحضاري الذي نال امتياز التبشير به حكماء ومفكرو الغرب سيقع حتمًا بين أطراف عقائدية وفكرية في الأساس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت