ومما يثبت تفاهة التعصب العرقي أن البشر يعتقدون بأنهم جميعا أبناء آدم وحواء، فلماذا يصر المتعصبون على أنهم يختلفون عن الآخرين؟ والمفروض ألا نقف طويلا عند إنجازات الآباء والأجداد، بل أن نركز جهودنا على ان نقدم إنجازات طيبة، ونطور علمنا وأخلاقنا وأعمالنا، فالرصيد التاريخي محدود الفائدة.
ومن مبررات أهل التعصب العرقي أنهم يفعلون ما يفعله الآخرون، أو أن تعصبهم رد فعل أي معاملة بالمثل، والحكم الشرعي أن انحراف الآخرين
ليس مبرراً أن يقابل بعنصرية وظلم خاصة عندما يكون الآخرون
ـــــــــــــــــــ
(1) ص51 ج1 - كتاب نوادر من التاريخ - للأستاذ صالح محمد الزمام.
مسلمين نريد أن نتعاون ونتكاتف معهم، فمن السهل أن نقابل التعصب بتعصب، ونردد قول الشاعر:
ألا فلا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
لا نفعل ذلك لأن حرصنا على مصالح ديننا وأوطاننا وأمتنا تجعلنا نقابل السفهاء بحلم وصبر، فلا تستفزنا تصرفاتهم، فلنبدأ بكسر الحواجز العرقية والسياسية، وكذلك ليس من المبررات الشرعية للتعصب أنه موجود في بعض الدول المتقدمة والديمقراطية، لأننا لا نقارن أنفسنا بالآخرين، بل بما أمرنا الله سبحانه وتعالى به.
ومن مبررات التعصب العرقي الارتباط بين الأرض والبشر، ونقول رداً على ذلك أن كل الشعوب تكونت من خلال هجرات قديمة وحديثة وانتقال من أرض إلى أخرى، فهي خليط من أعراق وخليط من انتماءات أرضية، فالإخلاص للأرض وللوطن ليس حكراً على عرق دون آخر، كما أن الأرض ليست ملكاً لعرق دون آخر، وغالباً ما تكون هناك شعوباً أو قبائل استوطنت الأرض التي تسكن اليوم من شعوب وأعراق أخرى فهل هذا مبرر أن يعود السكان الأوائل للمطالبة بها؟ ولو فعلنا ذلك لفتحنا أبواباً لا تنتهي من الفتن والصراعات بين الشعوب، بل حتى بين أبناء الشعب الواحد، فحبنا لأوطاننا من القيم السامية، ولكن لا يجوز أن يتحول هذا الحب إلى تعصب وعنصرية. وما يقال عن الأرض يقال كذلك عن اللغة والدم والتاريخ، فاللغات تتغير والدماء تختلط، والتاريخ لك وعليك.
الاقتناع بأن إصلاح الواقع يتم من خلال تغيير الأنظمة اقتناع آمن به كثيرون، وآن الأوان أن ندرس نتائجه وآثاره، وسأركز في النقاط التالية على السلبيات اقتناعا مني أن الإيجابيات إذا وجدت فهي محدودة جدا، ومن أهم سلبيات الصراع الشعبي الحكومي ما يلي:
1-عندما يصبح استخدام العنف والتآمر على الأنطمة عقيدة وأعمالاً، فمن الطبيعي أن تقابل الحكومات العنف بالعنف والتآمر بالتآمر فالمسالة بالنسبة إليها صراع من أجل البقاء، وكل صراع من هذا النوع يعطي الأولوية، وعندما تقرر أغلب القوى الشعبية والحكومية أن تتصارع ولا تتعاون فقد زادت شقاءها ومصائبها شقاء ومصائب ويصبح نتيجة لذلك واقعنا أكثر تمزقاً ومرارة، والاقتناع بأن كل أو أغلب مفاتيح الإصلاح بيد الحكومات جعل حكومات تتآمر على حكومات، وقوى شعبية تتآمر على قوى شعبية حتى لا تصل إلى الحكم فتمسك بالمفاتيح"السحرية"لتغيير الواقع، وكل هذا أثمر العدواة والبغضاء والتعذيب والاغتيالات والسجون والخوف والشك والإنتقام، وأضعف الأمة أمام أعدائها الداخليين والخارجيين، وجعل كل طرف همه إفساد انجازات الطرف الآخر، وتشويه سمعته لأننا في حرب بل حروب دائمة فلم نعد نثق في حكومات، ولا قوى شعبية، ونرجوا أن يكون العقلاء فينا قد اقتنعوا بأن الصراع ليس طريقا للإصلاح وأن الجبهتين الحكومية والشعبية يجب أن تكونا جبهتين متكاملتين لا متصادمتين وأمتنا اليوم بحاجة إلى كثير من اللين والرفق والحلم والصبر والتسامح... وهذا ليس دليلا على ضعف. ولا هو تنازل عن المبادئ، بل هو من مبادئ الدين، ومن أساسيات الحكمة والعقل في مثل واقع أمتنا ولنا في رسول ا صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة، فقد جقق انجازات عقائدية وسياسية هائلة بتسامحه وصبره وحلمه، ودعا بعض العلماء إلى اتباع منهج ابن آدم الثاني في إصلاح، وقد لا ينفع هذا المبدأ مع الكل ولكنه بالتأكيد ينفع مع الأغلبية، وفيه تفويت الفرصة على أهل المناصب والانتقام من المتاجرين بالشعارات الإسلامية والوطنية.
2-ركزت كثير من الحكومات جهودها وأموالها على الجوانب الأمنية، والأمن الداخلي قضية ضرورية، وهذا أخر إنجازات أولويات أخرى اقتصادية وسياسية وتعليمية وصحية. والمفروض أن تستند الشرعية إلى الشريعة الإسلامية، ويتم قبولها من القوى الشعبية ومن الحكومات وكلما اشتدت الصراعات غاب دور القوانين، ومن أجل توفير بعض ما يصرف على الجانب الأمني وإيجاد بيئة صالحة تلتزم بالقوانين وتقوية الجبهة السياسية للدولة فإننا ندعو إلى تطبيق شعار"إصلاح الشعوب أولا"ولنتذكر أن من فوائد هذا الشعار هو تشجيع النمو الاقتصادي، فبيئة قلقة سياسيا لا تصلح لهذا النمو لأن رأس المال كما يقولون جبان، وهذا أحد الأسباب الرئيسة لهجرة أموال وطنية وعربية عن أوطانها وأمتها.