فهرس الكتاب

الصفحة 5308 من 27364

ظاهرة التطرّف في المنطقة..محاولة جديدة للقراءة والفهم

عاطف الجولاني * 2/4/1426

مشكلة التطرف الآخذة بالاتساع في المنطقة والعالم، باتت تُعدّ، في الآونة الأخيرة، من أكثر القضايا التي تثير اهتمام النخب الفكرية والثقافية والسياسية التي تحاول فهم الظاهرة ووضع وسائل مناسبة للتعامل معها.

نمو الظاهرة وانتقالها إلى أطوار وأشكال جديدة، ربما لم تكن موجودة من قبل، يدعو إلى قراءة أكثر عمقاً، بعيداً عن الفهم السطحي، والقراءة الرغائبية للظاهرة. فكثيراً ما كانت القراءة السطحية الساذجة، سبباً في فهم الظاهرة بصورة خاطئة، وبالتالي التعامل معها بصورة خاطئة أيضاً، ما فاقم من حجم المشكلة، عوضاً عن أن يحدّ منها.

وهذه محاولة لفهم الظاهرة بأبعادها الشاملة وتشخيص المشكلة بصورتها الحقيقية، ودراسة المتغيرات والأبعاد الجديدة التي بدأت تأخذها.

ليست ظاهرة جديدة

النهج المتشدد في التعامل مع الأمور، القائم على التعصب للرأي والقناعات، وعلى إلغاء الآخر ونفيه، والتعامل معه بتشدّد وحدّة فكرية أو سلوكية، ليس بالنهج الجديد، ولا يختص بفترة زمنية دون أخرى، ولا بمجموعة بشرية معينة، بل هو ظاهرة بشرية طبيعية موجودة منذ وجد الإنسان، وستظل موجودة ما دامت الحياة البشرية؛ لأنه يتعلق بطبائع البشر وميولهم ونفسياتهم.

والإقرار بأن وجود الظاهرة أمر طبيعي، ليس محاولة للتقليل من حجم المشكلة وخطرها، وإنما وضعها في سياقها الصحيح الذي يساعد على فهمها. وكونها ظاهرة طبيعية لا ينفي عنها صفة أنها ظاهرة مرضيّة لا صحيّة. وإذا كان القضاء عليها -بصورة مطلقة- مطلباً صعباً عزيز المنال، فإن الحدّ منها وتقليص أخطارها وآثارها السلبية على المجتمعات يبقى أمراً مطلوباً بصورة مستمرة.

التطرف يرتبط عادة بالانغلاق والتعصب للرأي، ورفض الآخر وكراهيته وازدرائه وتسفيه آرائه وأفكاره. والمتطرف فرداً كان أم جماعة، ينظر إلى المجتمع نظرة سلبية سوداوية، لا يؤمن بتعددية الآراء والأفكار ووجهات النظر، ويرفض الحوار مع الآخر أو التعايش معه ومع أفكاره، ولا يبدي استعداداً لتغيير آرائه وقناعاته، وقد يصل به الأمر إلى تخوين الآخرين وتكفيرهم دينياً أو سياسياً، وربما إباحة دمهم.

ويزداد خطر التطرف حين ينتقل من طور الفكر والاعتقاد والتصور النظري، إلى طور الممارسة والتطرف السلوكي، الذي يعبّر عن نفسه بأشكال مادية من أعمال قتل وتفجيرات وتصفيات واستخدام لوسائل العنف المادي المختلفة لتحقيق بعض الأهداف. وعادة ما يكون التطرف السلوكي والمادي نتيجة وانعكاساً لتطرف سابق في الفكر والقناعات والاعتقاد.

والتشدّد أو التطرّف موجود داخل كل مجتمع وحزب وجماعة، لكن بمستويات نسبية. وهذا ما يفسر التصنيفات الشائعة سياسياً لوجود أجنحة مختلفة داخل كل جماعة أو حزب، من متشددين ومعتدلين، صقور وحمائم، محافظين وإصلاحيين. وإذا فشل أي حزب أو جماعة في احتواء وجهات النظر الداخلية المتباينة، ولم تستطع هذه الأطراف التعايش مع بعضها البعض، فإن ذلك يفضي في كثير من الأحيان إلى انشقاقات وانقسامات.

الإسلام يحّذر من الظاهرة

من الخطأ الجسيم ربط التطرف بالإسلام الذي حذّر أكثر من غيره من أخطار هذه الظاهرة، ومن انعكاساتها السلبية على أصحابها وعلى مجتمعاتهم، والقراءة الواعية للنصوص الشرعية الإسلامية في القرآن الكريم والسنة النبوية، توضح بجلاء مدى إدراك الإسلام لخطورة الظاهرة، بل إن الإسلام أنكر على أتباع بعض الديانات مظاهر التطرف والتشدد في السلوك والعبادة، وانتقد القرآن الكريم أولئك الذين شدّدوا على أنفسهم في بعض الطقوس العباديّة، بقوله: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) .

وأطلق الإسلام على المتطرفين أوصافاً سالبة، من مثل وصفهم بـ"المتنطعين"و"المغالين"، كما وصف ظاهرة التطرف بـ"الغلوّ"و"التنطّع". والنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - حذّر من مصير صعب ومظلم ينتظر المتشدّدين والمتطرفين بقوله:"هلك المتنطعون"، أي المتطرفون المتشدّدون.

وقد عانت الأمة الإسلامية على امتداد تاريخها - كغيرها من الأمم- من ظواهر تطرّف فرديّ وجماعيّ على حدّ سواء.. ويجدر التنبيه إلى ضرورة التفريق بين تنامي ظاهرة التطرف وبين اتساع دائرة الصحوة الإسلامية، والالتزام بالدين وزيادة مظاهر التدين الفطري في المجتمعات العربية والإسلامية. فالبعض يندفع بصورة خاطئة ودون وعي للربط بين الأمرين، الأمر الذي يؤدي إلى استنتاجات خاطئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت