فهرس الكتاب

الصفحة 790 من 27364

الدكتور حلمي محمد القاعود

نحن - أنا وأمثالي - مدينون باعتذار تاريخي إلي المجاهدين من الشعب الفلسطيني الأسير، خاصة المرأة الفلسطينية، والاستشهادية علي وجه أخص.. فقد فَجَعنا بعض المصريّين حين أقاموا في «مارينا» - شاطئ المشاهير والأساطير - حفلًا لاختيار ما يُسمّي «ملكة جمال مصر» ، وزادوا في فجيعتهم لنا حين أعلنوا أنهم كانوا قد أجلوا الحفل أسبوعًا تضامنًا مع الانتفاضة الفلسطينية!

في العصر الثوري الجمهوري يسعى البعض إلي استعادة الملكية، ولو بالاسم - في صورة فتاة تطرح جسدها أمام الرأي العام، مع أخريات، ليقوم الباحثون عن الملكية بتطبيق مقاييس الجمال الأنثوي، واختيارها ملكة (!!) لمصر!

استطاع هذا البعض أن يشغل الناس عبر الصحافة والتلفزة بالملكة المنتخبة (!!) ويقدمها في عناوين كبرى، وصورًا تملأ الأغلفة والصفحات، وبثّ مباشر أو مسجل عبر قنوات أرضية وفضائية، محلية وعربية، وقد خصصت قناة فضائية طائفية لبنانية أكثر من ساعتين، لتقديم بناتنا المتسابقات وهنّ شبه عرايا. في أوضاع مختلفة، حتى تمّ تتويج الفتاة (الملكة) ، مع التعريف بها من حيث الطول، والبرج الذي تنتمي إليه، وهوايتها، ولون شعرها وعينيها، وكونها تعدّ نفسها سفيرة لمصر في الخارج وسفيرة للسلام! فضلًا عن طبيعة (الماكياج) الذي تستخدمه، والكريم الذي تفضله، والألوان التي تحبذها، والتاج الذي صُمًّم لها .. ولم تقصر الصحافة والتلفزة في تقديم أو ذكر الملكات السابقات للجمال في مصر منذ عام 1987 حتى الآن، وكأنه مجد تليد ينبغي الاحتفاء به وتخليده.

ويحاول بعضهم أن يغطي على الجريمة التي تسمي مسابقة ملكة جمال مصر، بالقول إن المسابقة ثقافية، تقوم علي اختيار أفضل المتسابقات في المعلومات العامة والثقافة والذكاء، ويدلّلون على عمق الفكر الثقافي في الأسئلة الموجهة إلي الفتيات بسؤال عن «الخُلع» في الشريعة الإسلامية، ويشيرون إلي طرافة بعض الإجابات مثل قول إحداهن: إن من حق المرأة الخلع إذا «زهقت» من زوجها مثل الرجل تمامًا عندما «يزهق» من زوجته فيتزوج عليها!!

لا ريب أن المتسابقات لا ينتمين إلي القاعدة الشعبية العريضة من المصريين التي تعيش تحت خط الفقر أو فوقه بقليل، ومن المؤكد أنه لا تشغلهن لقمة العيش، ولا صعوبة المواصلات، ولا زحام المساكن، ولا سكّان القبور الأحياء، ولا الدروس الخصوصية، ولا البطالة، ولا الوقوف في طوابير الخبز أمام الأفران البلدي، ولا انتظار مواسم التخفيضات (الأوكازيون) لشراء بعض الملابس أو الأحذية المخفضة.

ولا ريب أن المتسابقات لا تشغلهن قضايا الأمة على المستوى الوطني أو القومي أو الإسلامي، فلا يعنيهن مثلًًا حاجة مصر إلي القمح واستجدائه من دول الغرب الصليبي، ولا يعلمن شيئًا عن ديون مصر لهذه الدول، ولا يعرفن ما يترتب علي هذه الديون من ذلّ وهوان وفقدان للاستقلال السياسي والحضاري.

ولا ريب أن هؤلاء الفتيات لا يعلمن شيئًا عن الإسلام ولا تعاليمه ولا أخلاقه، فمن منهن تعلم أن جسد المرأة المسلمة تنبغي صيانته عن الابتذال والعري وتعرض الآخرين له؟ ومن منهن تعلم أن حرية المسلمة تكمن في سلوكها وفكرها وإنسانيتها وثقافتها، لا في شعرها وعينيها وخصرها وساقيها ولون بشرتها؟ ومن منهن تعلم أن ربط قيمة المرأة بجسدها وسنّها مخالف لمبادئ الإسلام وقيمه؟ ومن منهن تعلم أن جمال المرأة في الإسلام يكمن في الروح والعاطفة وخدمة المجتمع؟

سألت نفسي: من يكون الآباء والأمهات لهؤلاء الفتيات؟.. هل أخذتهم الغيرة عليهن وهنّ بين أيدي السادة تجار الأجساد يقلّبونهن ويقيسون خُصُورهن وصدورهن ونحورهن وسيقانهن؟ يقال إن الخنزير وحده لا يغار على أنثاه سواء كانت زوجته أو قريبته .. فكيف انخدع الآباء والأمهات لتقديم بناتهم علي مذبح العرض الجسدي؟

لقد تحولت المرأة في الغرب الصليبي إلي سلعة أو جارية تباع وتشتري مع الفارق الزمني بينها وبين جارية الزمن الماضي. ومع الفارق الزمني أيضًا بين التماس القديم والتماس الصليبي المعاصر ومن يقلّدونه من غير الصليبيين. صارت المرأة هناك مجرد جسد يعرض الثياب: الفساتين وقمصان النوم والمايوهات وقطع الذهب والماس والفضة التي تتحلى بها النساء في الأذنين والرقبة واليدين والقدمين، وصارت المرأة مجرد جسد لقضاء المتعة علي شاشات السينما والتلفزة وصفحات الجرائد والمجلات، صارت المرأة مجرد «سنارة صيد» في السكرتارية والشركات والمؤسسات .. لقد صارت المرأة إلاّ قليلًا مجرد جارية تخدم مافيا السياسة والاقتصاد والتجارة والمخابرات في الغرب الصليبي، ويريدونها هنا أن تلحق بأختها الصليبية لنكون مستنيرين تقدّميّين ثوريّين .. أما أن تكون ملكة جمال حقيقية في وطنها وأمتها وشعبها، فهذا ما يريدونه.

لا يريدون أن تكون ملكة جمال فلسطين أو مصر من عيّنة وفاء إدريس أو آيات الأخرس، أو إيمان حجو ذات السنوات الأربع! يريدونها مجرد جثة تنطبق عليها مقاييس المترات والسنتيمترات وألوان البشرة وأحجام الأنف والأذنين والقدمين .. جثة بلا روح ولا عاطفة ولا وجدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت