فهرس الكتاب

الصفحة 22546 من 27364

د / محمد أحمد مفتي

إعداد وانتقاء سليمان الخراشي

( يؤكد"موريس دوفرجيه"أن الدميقراطية الليبرالية تعمل ضمن إطار الرأسمالية التي تعني أن السلطة لا ترتبط فقط بالانتخابات ـ كما يدعي الإجرائيون ـ وإنما برجال المال والأعمال المسيطرين على الواقع السياسي والاقتصادي في الدولة ، مما يؤكد كون الديمقراطيات الليبرالية هى"بلوتو ديمقراطيات"قائمة على سيطرة الأغنياء ، وقدرتهم على توجيه دفة المجتمع ، والتحكم في الانتخابات ونتائجها) .

(ويبدو أن المدرسة الإجرائية ـ بافتراضها العقلانية و الرشد في الأفراد ـ قد وقعت في الخطأ ذاته الذي عابته على النظرية الكلاسيكية ، كما أنها بافتراضها خلو الديمقراطية من القيم ، سعت نحو تعميم النظام الديمقراطي وإضفاء صبغة العالمية عليه ، دون النظر إلى العوامل والظروف المرتبطة بنشأة الديمقراطية وقيامها واستمرارها في المجتمعات الغربية . أضف إلى ذلك ، أن قصر قيام الديمقراطية على توفر الانتخابات ، واختزالها في حق التصويت والاختيار للمرشحين الذين يعتلون سدة الحكم ، يفرغ الديمقراطية من محتواها ، فهناك الكثير من الأنظمة التي يقوم فيها الأفراد بانتخاب الحكام دون أن تقوم فيها ديمقراطية ، بل إن بعضها أنظمة استبدادية قمعية) .

( الديمقراطية الغربية تقوم على قيم اجتماعية محددة ، فالديمقراطية نظام قائم على نظرة معينة للكون والحياة والإنسان ، وهي تحمل بعداً"عقيدياً"وترتبط بمفهومات محددة ، ومعتقدات مشتركة بين الجماعة . والديمقراطية بهذا المعنى تمثل نسقاً فلسفياً ، أو قاعدة تبنى عليها النظرة إلى المجتمع ، تستمد هذه النظرة جذورها من أفكار المدرسة الليبرالية التي يعد من أبرز مفكريها: جون لوك ، وجون ستيوارت مل ، وآدم سميث ، وديفد هيوم . ورغم اختلاف وجهات النظر بين هؤلاء المفكرين ، فإن هناك عدداً من الأمور المشتركة بينهم ، منها: النظرة( الفردية ) للإنسان التي تجعل الفرد وحدة مستقلة قائمة بذاتها ، تتصل بغيرها لتحقيق مصالحها الذاتية ، ومن ثم فالفرد يمثل غاية البناء الاجتماعي كما أن الإنسان ـ وفقاً لهذه النظرية ـ يمتلك حقوقاً ( طبيعية ) منحت له لطبيعته الإنسانية ، بمعنى أن الإنسان لكونه إنساناً ، فإنه يمتلك حقوقاً طبيعية بمعزل عن الدولة أو المجتمع . أضف إلى ذلك أن النظرة الليبرالية للإنسان تبنى على ما يسمى بانعدام القيم المشتركة ، فلا توجد وحدة اجتماعية تحدد القيم الاجتماعية أو السلوك المقبول اجتماعياً من قبل الأفراد ، فالنظرة إلى المجتمع غائبة في الفكر الليبرالي والديمقراطية ـ وفقاً للتعريف الإيديولوجي ـ طراز معين للعيش ينبثق من إطار ذهني يبنى على عدة افتراضات ، منها: الإحساس الدائم بالرغبة في التغيير التى تحرك الأغلبية ، وتدفعهم نحو تعديل أوضاعهم الاجتماعية لتتناسب مع التغييرات الحياتية المتعددة . فالديمقراطي هو ذلك الإنسان القادر على تعديل أوضاع حياته وأفكاره ومبادئه وقيمه وفقاً للمتغيرات الاجتماعية المحيطة به . وينبع التغيير من الإيمان بأن البنى الاجتماعية لا تبنى على قواعد ثابتة ، بل هي نتاج لتفاعل الأفراد وخبراتهم واتفاقهم ، ولذلك ، فما يراه الأفراد ممثلاً للحق والعدل فهو الحق والعدل ، فالإطار الذهني الديمقراطي يبنى على الثقة المتناهية في ( العقل ) الذي يمكن الإنسان من الحياة في إطار المجتمع ( التعددي ) بتقبله لنمط حياة الآخرين ، مما يعكس قدراً كبيراً من العقلانية . أضف إلى ذلك أن ( التعددية ) تضفي على الديمقراطية الرأسمالية طابعاً خاصاً يجعلها تختلف كلية عن المجتمعات التقليدية والاشتراكية التي يفرض المجتمع فيها منظوراً جماعياً للخير العام ، كما يشير نوفاك ، هذا في حين يمتاز المجتمع التعددي بعدم وجود منظور جماعي واحد للخير والفضيلة . ولذلك ، فوجود منظور أخلاقي واحد للقيم في المجتمع يتعارض مع الفكر التعددي ، ومن ثم فأولئك الذين يرغبون في رؤية قيم عقائدية أو أخلاقية واحدة تسود في المجتمع لابد أن ينتهي بهم المطاف إلى معارضة التعددية . وبناءً عليه ، فالمجتمع الديمقراطي غير ملزم بتبني منظور أحادي للوحدة الاجتماعية ، وحين يسود أو يسعى أي منظور عقائدي أخلاقي لفرض رؤيته على المجتمع ، فإنه يصبح من المتعذر بناء مجتمع ديمقراطي ، وذلك لأن الديمقراطية تبنى على المنظور العلماني التعددي للمجتمع) .

( وبناء عليه ، فالتعددية وإمكانية الاختلاف العقيدي يعدان شرطين مسبقين لقيام مجتمع ديمقراطي ، فالمجتمع الذي لا يقر بحق أو حرية العبادة للجميع كيفما شاؤوا لا يصلح أن يكون ديمقراطياً .

وقد أكد"كرن شيلدز"أن الديمقراطية نظام سياسي علماني ، فالدين لا علاقة له بالديمقراطية ، فهو يعد مسألة فردية خاصة لا علاقة لها بالتنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت