فتوى الشيخ محمد رشيد رضا:
ومن أدلة ذلك في القرآن قوله - تعالى - (4: 59 - 60) : {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} .
الطاغوت مصدر الطغيان ومثاره، ويدخل فيه كل ما خالف ما أنزله الله وما حكم به رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإنه جعل مقابلاً له هنا وفي آيات أخرى. ومنه بعض أحكام القانون الفرنسي كإباحة الزنا والربا، دع مايستلزمه اتباع أي جنسية سياسية غير إسلامية من قتال المسلمين وسلب بلادهم منهم. ومما ورد في تفسير الآية بالمأثور أن سبب نزولها تحاكم بعض المنافقين إلى بعض كهان الجاهلية، وقد سمى - سبحانه - ادعاء هؤلاء المنافقين للإيمان زعماً، والزعم مطية الكذب. وقد بينا في تفسيرنا للأولى منهما اقتضاء الإيمان الصحيح للعمل، وأن الاستفهام فيها للتعجيب من أمر هؤلاء الذين يزعمون الإيمان ويعملون ما ينافيه، وإن الأستاذ الإمام سئل في أثناء تفسيرها في الجامع الأزهر عن القوانين والمحاكم الأهلية [1] ، فقال: تلك عقوبة عوقب بها المسلمون أن خرجوا عن هداية قوله - تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسولل} فإذا كنا تركنا هذه الهداية للقيل والقال وآراء الرجال من قبل أن نبتلى بهذه القوانين ومنفذيها فأي فرق [2] بين آراء فلان وآراء فلان، وكلها آراء منها الموافق لنصوص الكتاب والسنة، ومنها المخالف له؟ ونحن الآن مكرهون على التحاكم إلى هذه القوانين فما كان منها يخالف حكم الله - تعالى - يقال فيه - أي في أهله - {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} وانظر فيما هو موكول إلينا إلى الآن كالأحكام الشخصية والعادات والمعاملات بين الوالدين والأولاد والأزواج والزوجات، فهل ترجع في شيء من ذلك إلى الله ورسوله؟... الخ ما قاله. وقد وضحت المراد منه فيراجع في الجزء الخامس من التفسير.
وأقول: إن إكراه المصريين على ما يخالف الكتاب والسنة من القوانين قد زال الآن [3] بالاستقلال. فإثم ما يبقى منه بعد انعقاد البرلمان المصري في أعناق أعضائه وأعناق الأمة في جملتها، إذ هي قادرة على إلزامهم إلغاء إباحة الزنا والخمر وغير ذلك من المحرمات بالإجماع، هذا وإن المحاكم الأهلية وقوانينها خاصة بالأحكام المدنية والعقوبات التي تقل فيها النصوص القطعية المعلومة من الدين بالضرورة ومن حكم له فيها بربا محرم فليس ملزماً أخذه، ومن حكم عليه به وأكره على أدائه فهو معذور، ولا يمس عقيدته ولا عرضه منه شيء، والحدود الشرعية في العقوبات خاصة بالإمام الحق، والتعزيرات مبنية على اجتهاد الحاكم - فاين حكم المحاكم الأهلية بالقوانين من قبول جنسية تهدم مافي ا لقرآن من أحكام النكاح والطلاق والإرث وغير ذلك، وهي اختيارية لا اضطرارية، ومن اختارها فقد فضلها على أحكام الله - تعالى - في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ وفضل أهلها الكافرين على المؤمنين بالفعل.
(ومنها) : قوله - تعالى - (4: 64) : {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما} ، قال أبو بكر الجصاص [4] من أئمة الحنفية في تفسيرها من كتابه (أحكام القرآن) ما نصه: (وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئاً من أوامر الله - تعالى - أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم، وذلك يوجب صحة ماذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم، لأن الله - تعالى - حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان) اهـ.
وقد بينا في تفسيرنا لهذه الآية ما ملخصه أن الإيمان الحقيقي وهو إيمان الإذعان النفسي المقابل لما يدعيه المنافقون لا يتحقق إلا بثلاث:
1 -تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما شجر أي اختلط فيه الأمر مما يتخاصم فيه الناس.
2 -الرضاء بحكمه وانشراح الصدر له بحيث لا يكون في القلب أدنى حرج أي ضيق وانكماش مما قضى به.
3 -التسليم والانقياد بالفعل.
ولا خلاف بين المسلمين في اشتراط هذه الثلاث في كل ما ثبت مجيئه به صلى الله عليه وسلم من أمر الدين، إذ لا يعقل اجتماع الإيمان الصحيح برسالته مع إيثار حكم غيره على الحكم الذي جاء به عن الله - تعالى -، ولا مع كراهة حكمه والامتعاض منه، ولا مع رده وعدم التسليم له بالفعل.