ولا عذر لهؤلاء المتجنسين لأنهم ليسوا بمكرهين حتى نقول ما قال الله: (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) )، بل هم مختارون راضون كما يقول السؤال، وليس ما ينتظرونه وراء التجنس من حطام الدنيا وحظوظ العاجلة بمسوّغ لهذا التجنس، بل يجب أن يفر المرء بدينه متى استطاع، وإن ذهبت دنياه، اقرأ إن شئت قوله - تعالى: (( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) ).
إن الشارع أوجب الهجرة من دار الكفر إن خاف المسلم على نفسه الفتنة، وتوعد الله - سبحانه - أولئك الذين يبقون في أوطانهم بين الفينة وهم قادرون على الهجرة فقال جلّ من قائل: (( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) ).
هل لهؤلاء من توبة؟:
بقي الكلام على التوبة، هل تقبل من هؤلاء توبة؟ والجواب أنها تقبل، ولكن على معنى أن التوبة إصلاح للماضي بالندم على ما فرط فيه، وإصلاح للحال بالإقلاع من الذنب فوراً، وإصلاح للمستقبل بالعزم على عدم العودة إلى ذلك الإثم أبداً.
أما التائب الذي لم يقلع عن ذنبه فهو كالمستهزئ بربه وما يأتيه ليس بتوبة، إنما هي حوبة جديدة وأكذوبة سخيفة إذ يقول (تبت) وما تاب، و (رجعت) وما يرجع، مع أن ربه عليم بذات نفسه، لا تخفى عليه خافية.
فهؤلاء المتجنسون إن نبذوا عقد التجنس، وخرجوا عن مقتضياته، وندموا على ما فرط منهم، ورجعوا إلى أحكام الله واحترامها، وصمموا ألا يعودوا إلى ذلك التجنس أبداً؛ إنهم إن فعلوا ذلك فقد تابوا حقاً"والتائب من الذنب كمن لا ذنب له". أما إن بقوا على احترامهم لعقد التجنس، ونبذهم لعقد الله فأولئك لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً، ولو ملأوا الأرض من كلمة التوحيد، ومن ألفاظ التوبة والاستغفار، ومن مظاهر الصلاة والصوم والصدقة. قال - تعالى: (( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ) ).
نصيحتنا:
وإننا ننصح لإخواننا المسلمين أن يتيقظوا لما يراد بهم في هذا الزمان من أعداء الإسلام وأعوانهم ممن يزعمون الإسلام؛ فإننا أصبحنا في فتن كقطع الليل المظلم، فيها يصبح الرجل مسلماً ويمسي كافراً ويمسي مسلماً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، ويكفي ما نحن فيه؛ فقد طفح الكيل، وبلغ السيل الزبى واتسع الخرق على الراقع. نسأل الله السلامة، وإنا لله وإنا إليه راجعون...
التوقيعات
رئيس اللجنة أمين اللجنة
علي محفوظ محمد عبد العظيم الزرقاني
المدرس بكلية أصول الدين بالأزهر من علماء الأزهر
[1] - النسيئ في الآية الكريمة معناه تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر وكان العرب إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر، فانزل الله هذه الآية نهيا لهم عن هذا النسيئ وبين لهم أنه زيادة في الكفر لأنه تحليل ما حرمه الله وتحريم ما أحله. بهو كفر مضموم إلى كفرهم.
[2] - لعل المقصود البخاري في قرة العينين والحديث رواه ابن أبي عاصم في السنة 1/12 وضعفه.