فهرس الكتاب

الصفحة 1616 من 27364

ومثل هذه الموالاة ينعي الله على أصحابها، ويعتبرهم من جملة من والوهم، ويسمهم بالظلم، ويتوعدهم بأنه لا يهديهم، ويصفهم بمرض القلوب وبالجبن والخوف، ويفند مزاعمهم في احتجاجاتهم الباطلة، وينادي على لسان المؤمنين بحبوط أعمالهم وبخسرانهم، ثم يحكم أخيراً - سبحانه - بردتهم، وينذرهم بالفناء والزوال وأن يستبدل بهم قوماً خيراً منهم. قال جل ذكره في بيان ذلك كله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين. يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) ).

ثم إن مثل التجنس الفرنسي المذكور فيه فوق ما ذكر مودة لدولة تحادّ الله ورسوله، وتشاقّ المسلمين، وتستعمر ديارهم قوة واقتداراَ، وتذيقهم كأس الظلم والإرهاق ألواناً، وتعمل على تنصيرهم بكل الوسائل والحيل، والله جلت قدرته يقول: (( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) ).

النطق بالشهادتين:

أما النطق بالشهادتين مع التردي في هذه البؤر الخبيثة الموجبة للردة، ومع عدم الإقلاع عنها والتبرؤ منها والندم عليها؛ هذه الشهادة على تلك الحال لا تنفع صاحبها شيئاً وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، لأن الشهادتين إنما كانتا دليلاً على الإسلام باعتبار أنهما عقد بين العبد وربه على احترام أحكام دينه، والرضا عنه وعن تشريعه، وعدم تخطيه إلى شريعة أخرى. فإذا قامت قرينة ظاهرة تدل على عدم الإذعان لمقتضى هاتين الشهادتين لم يقبل إسلام من نطق بهما، كمن يقول كلمة التوحيد وهو يسجد لصنم، وكمن يقول أنا أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو يهين كتاب الله. فما بالك بالتجنس الآنف وهو جريمة متألفة - كما علمت - من أربع جرائم كل منها يكفي قرينة ظاهرة تدل على عدم الإذعان لكلمة الإسلام، وعلى ترك القيام بحقها.

وما مثل هؤلاء إلا كمثل من قال الله فيهم: (( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ) ).

إن الله - تعالى - سمى أمثال هؤلاء منافقين، واعتبرهم أشد من الكفار الظاهرين، وقال فيهم: (( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً ) )، وفضحهم أشنع الفضيحة في سورة التوبة، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على أحد منهم مات أبداً أو يقوم على قبره، مع أنهم كانوا يصلون بصلاة رسول الله، وكانوا يقفون في صف الجهاد معه، وكانوا يظهرون خضوعهم لأحكام الله، فكيف أنت بهؤلاء المتجنسين الذين رضوا بالوقوف في صف الجهاد مع فرنسا ولو ضد الإسلام، وأظهروا التبرؤ والانسلاخ من أحكام الله، وانضووا علانية تحت قانون ضد دين الله؟

إن أمثال هؤلاء زنادقة لم يكفهم أن يخرجوا من الإسلام ومن زمرة المسلمين، بل زادوا على ذلك بأن استخفوا بالإسلام وبالمسلمين، فهم أشد ممن قال الله فيهم: (( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون. أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ) ). نعم زنادقة اليوم أشد من منافقي الأمس، لأن أولئك كانوا يتسترون في انضمامهم إلى العدو، وكانوا يستحيون أن يقولون لشياطينهم إنا معكم إلا حين يخلون إليهم، أما مرتدو اليوم فقد انسلخوا عن الإسلام في جرأة، وناصروا العدو في عقد مكتوب محكم لا يسمح لهم ولا يسمحون هم لأنفسهم أن يرجعوا عنه يوماً، أو يتهاونوا في احترام نصوصه أبداً. وإن الله - تعالى - يقول: (( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون. اتخذوا أيمانهم جُنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ) ). وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به". رواه البخاري. [2]

هل لهؤلاء من عذر؟:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت