د. محمد مورو 7/12/1426
تتجمع في الأفق ملامح معركة فكرية وسياسية ودينية حول مرجعية الشريعة الإسلامية كمصدر أساس للتشريع في مصر، ومن المعروف أن المادة الثانية من الدستور المصري الحالي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للدستور، وهذه المادة تحديداً من المتوقع أن يثور جدل كبير بشأنها من قبل المفكرين والسياسيين والعلماء وأطراف القوى السياسية في مصر؛ فضلاً عن جماهير الشعب المصري التي عادة ما تعزف عن المشاركة السياسية، ولكن بخصوص مسألة الشريعة الإسلامية فإن الأمر سيبدو مختلفاً جداً، لأن حرارة الوجدان الإسلامي في مصر لدى قطاعات الشعب المصري بكل طوائفه عالية جداً"يبلغ عدد المسلمين في مصر حوالي 94 % من السكان وفقاً لإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء".
الذين يريدون تحريك الجدل حول تلك المادة الثانية من الدستور، ومن ثم تحريك سحب سوداء حولها، هم من العلمانيين من كل الاتجاهات"الليبرالية والقومية واليسارية"وقطاع هام من المسيحيين"أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت"، ومن المعروف أن أغلبية المسيحيين في مصر من الأرثوذكس"."
ولكن يجب أن نفرق هنا بين عدد من الملاحظات حول العلمانيين والمسيحيين؛ فالعلمانيون في معظمهم يعادون الشريعة الإسلامية؛ لأنهم ينطلقون من مفاهيم تغريبية ترى أن فصل الدين عن الدولة هو القاعدة الأصلية، وأن مرجعية الشريعة الإسلامية أمر لا يتفق مع المساواة في المواطنة، ولا يتفق مع روح العصر، ولا مع قيم العولمة، ولا مع التطور الديمقراطي المزعوم، ويجب أيضاً أن نفرق هنا بين أنواع العلمانيين؛ فالليبراليون واليساريون بحكم تكوينهم الفكري غالباً ما يكونون علمانيين، أما القوميون فمعظمهم غير علمانيين، ومن ثم فإن العلمانيين منهم هم فقط الذين يريدون إلغاء تلك المادة من الدستور، أما غير العلمانيين من القوميين فيعتبرون الشريعة الإسلامية إحدى ركائز القومية العربية، أما غير المسلمين فالمسألة بالنسبة لهم مُركّبة، فهناك من المسيحيين المصريين من يتمسك بالشريعة الإسلامية باعتبار أن ذلك جزء من تراثهم الحضاري، فهم على حد قول السياسي المسيحي المصري المعروف مكرم عبيد"مسيحيون دنياً. مسلمون وطناً"، وقد كتب الأستاذ رفيق حبيب وهو ابن قس مصري معروف، ومفكر مرموق يدافع عن الشريعة الإسلامية تحت عنوان"الأقباط والشريعة الإسلامية ـ آفاق عربية 18 شعبان 1426 هـ ، 22 من سبتمبر 2005 م"، وفي الحقيقة فإن بحثاً أجراه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة عام 1985 تحت إشراف الدكتور أحمد المجذوب رئيس المركز في ذلك الوقت أفاد أن 98 % من المسلمين و 68 % من المسيحيين يوافقون على تطبيق الشريعة الإسلامية؛ بل والحدود الإسلامية". وهكذا فإن مطلب الشريعة الإسلامية كمرجعية هو مطلب مصري عام، وصحيح أن أقباط 1985غير أقباط 2005 فقد مرت كثير من المياه تحت الجسر، وتغيرت أمور كثيرة بسبب الاستقطاب الطائفي، إلا أن القدر المتيقن منه أن هناك نسبة لا بأس بها من المسيحيين المصريين لا تزال على موقفها من مرجعية الشريعة الإسلامية."
وفي الحقيقة فإنه من الممكن أن نقول ببساطة: إن الذين يقفون مع المشروع الوطني المناهض لأمريكا وإسرائيل من إسلاميين وقوميين بل ويساريين ومسيحيين هم مع مرجعية الشريعة على أساس أن الشريعة الإسلامية هنا تحقق نوعاً من الممانعة الحضارية، وتحقق نوعاً من الاستقلال، وتعني عدم الخضوع الحضاري والتشريعي والثقافي للحضارة الغربية والأمريكية والصهيونية، وأن الذين يقفون مع المشروع الأمريكي الصهيوني من كل الاتجاهات السياسية هم ضد مرجعية الشريعة الإسلامية لعكس الأسباب السابقة.