فهرس الكتاب

الصفحة 2578 من 27364

د . عبد الوهاب المسيري**

الفيديو كليب هو فيلم سينمائي قصير يحتوي على أغنية ، ورقص ، وشيء يشبه التمثيلية . كنا نستمع في الماضي للأغنية فنتأمل في كلماتها ولحنها وصوت المغني أو المغنية ثم نحكم عليها . وكانت معظم الأغنيات تتحدث عن الحب بين الرجل والمرأة (وبالعكس ) . ومع هذا كان هناك أنواع أخرى من الأغاني: فكان هناك أغنية أو اثنتان تتحدث عن الأم ، أو عن علاقة الأم بابنتها ، أو عن الطبيعة ، أي عن علاقات إنسانية خارج إطار موضوع الحب بين الرجل والمرأة ، كما كان هناك أغان بالفصحى لبعض كبار الشعراء مثل شوقي ، والأخطل الصغير ، وإبراهيم ناجي .

ومن أحسن الأغنيات التي أتذكرها في هذا المضمار أغنية تسلم إيدين اللي اشتري لعبد المطلب ، وأغنية الصباح الجديد لعبد العزيز محمود ، وهي من شعر أبي القاسم الشابي وتلحين مدحت عاصم ، (ويبدو أن هذه الأغنية الرائعة قد فقدت حتى من أرشيف الإذاعة . ولعل أحد هواة التسجيلات القديمة عنده نسخة يرسلها للإذاعة لتحتفظ بها ، وربما لإحيائها ) ، وأغنية أسمهان ليالي الأنس في فيينا ، وطبعا لا يمكن أن ننسى بعض أغاني عبد الحليم حافظ مثل لا تلمني، وهذا التنوع كان يوجد بشكل ملحوظ في أغاني فيروز ، ولا يزال يسم أغنيات ماجدة الرومي، وإلى جانب هذا التنوع في الموضوعات ، كان هناك تنوع في أشكال الأغنية.

فكان هناك المونولوج الكوميدي (إسماعيل ياسين ـ ثريا حلمي ) ، وأغاني الديالوج التي اشتهر بها محمد فوزي ، والأوبريتات (مجنون ليلي ) ، وأغاني الأفلام غزل البنات وأغاني التمثيليات الإذاعية عوف الأصيل . وبالطبع كانت هناك الأغاني الوطنية التي كنا نسمعها طوال العام (وليس في يوم واحد في السنة لتذكرنا بما مضى !) . كما كان هناك أغان دينية مثل أغنية فايدة كامل الشهيرة إلهي ليس لي إلاك عونا ، وأغنية أسمهان عليك صلاة الله وسلامه .

هذا التنوع اختفي تقريبا تماما ، فأغاني الفيديو كليب تنحصر في النوع الأول ، أي أغاني الحب بين الرجل والمرأة . ولكن يلاحظ أن الفيديو كليب لم يترك هذه الأغاني على حالها ، ففي الماضي مثل هذه الأغاني كانت مبهمة ومركبة ومتنوعة . انظر على سبيل المثال الأدوار القديمة مثل: كادني الهوى ، وغزال تركي ، وصلاة الزين ، وأغنية محمد قنديل يا غاليين عليا يا أهل إسكندرية، أو أغنية عبد العزيز السيد البيض الأمارة والسمر الحيارى ، وأغنية محمد العزبي عيون بهية ، وأغنية محمد رشدي قولوا لمأذون البلد ييجي يتمم فرحتي ، وأغنية نجاة الصغيرة كلمني عن بكرة وابعد عن امبارح ، وأغاني ليلي مراد (بحب اتنين سوى ـ شفت منام واحترت أنا فيه ـ الحب جميل للي عايش فيه ) ، وأغاني محمد عبد الوهاب (جفنه علم الغزل ـ عاشق الروح ـ الخطايا ) وأغاني عبد الحليم حافظ (سمراء ـ وأنا كل ما أقول التوبة يا بوي ) وأغاني أسمهان (دخلت مرة الجنينة ـ يا طيور ) ، وأم كلثوم (ما دام تحب بتنكر ليه ـ الأطلال ـ حانت الأقدار ) .

فالفيدو كليب يؤكد جانبا واحدا من الأغاني وهو الجانب الجنسي . فالراقصات لا يتركن أي مجال لخيال المشاهد

ومثل معظم أغاني الحب بين الرجل والمرأة كانت معظم هذه الأغنيات تتضمن إيحاءات وإيماءات ورموزا جنسية ، أقول: إيحاءات وإيماءات ورموزا وحسب ، لأن البعد الجنسي كان دائما مستوعبا في أبعاد أخرى رومانسية ، وفي الصور المستخدمة أو في خلفية الأغنية (باستثناء بعض الأغنيات مثل ما قال لي وقلت له ، ومال لي وملت له لفريد الأطرش(والتي منع النحاس باشا رحمه الله إذاعتها ) . كل هذا الإبهام والتركيب والتنوع اختفى تقريبا تماما ، فالفيدو كليب يؤكد جانبا واحدا من الأغاني وهو الجانب الجنسي . فالراقصات لا يتركن أي مجال لخيال المشاهد ، والصورة عادة أقوى من الكلمة ، فالكلمة (المجردة ) توجد مسافة بينها وبين المتلقي ، الأمر الذي يسمح له أن يتأمل في معناها ويتمعن في مغزاها ، أما الصورة (خاصة إذا كانت صورة حسناء نصف أو ربع عارية تقفز وتحرك كل ما يمكن تحريكه في جسدها بصورة غير موضوعية أو محايدة ) .

نقول إن الصورة حسية ومباشرة ولا تترك مجالا للعقل أن يتأمل ، أو للجهاز العصبي أن يستريح قليلا ، بل تقتحم الإنسان اقتحاما . (هل يمكن أن تتصور أغنية مثل كادني الهوى أو دخلت مرة الجنينة وقد تحولت إلى فيديو كليب من النوع الجديد الراقص؟ ) .

مما يساعد الفيديو كليب على اقتحامنا ما أسميه الرقص الأفقي ، فكلنا يعرف الرقص الرأسي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت