فهرس الكتاب

الصفحة 17424 من 27364

د. محمد مورو 19/2/1426

منذ أن سطع نجم الحضارة الإسلامية ـ كحضارة عظيمة تحمل قيماً كريمة وتسعى لإسعاد البشر، وتحقيق مجتمع العدل والحرية والانحياز إلى المستضعفين- وهي في حالة صراع دائم ومستمر ضد القوى الشيطانيّة المتربصة بها, وعلى رأس تلك القوى الشيطانية كانت الحضارة الأوروبية التي لم تترك جريمة إلا وارتكبتها في حق البشرية. بدءاً من قهر الإنسان وقمعه، وانتهاء بنهبه وسلب ثرواته.

الحضارة الأوروبية حضارة إغريقية وثنية ذات قشرة مسيحية (1) ، وقد أنتجت هذه الخلطة العجيبة بين الوثنية الإغريقية وبين القشرة المسيحيةـ أنتجت الروح الصليبية التي تتسم بها الحضارة الأوربية في مواجهة الأمة الإسلامية.

الحضارة الإسلامية بما تتسم به من عدل وتسامح وحرية ـ هي التي أنتجت أمثال عمر بن عبد العزيز الذي أمر بهدم جزء من المسجد ورده إلى الكنيسة.

وحتى في لحظات ضعف الحضارة الإسلاميةـ نجد أن رجلاً مثل الأمير عبد القادر الجزائري، وهو الذي عانى شخصياً، وعانت معه بلاده الجزائر من المذابح والمجازر والنهب والقمع الاستعماري الصليبي الفرنسي ـ نجده هو نفسه يحمي نصارى لبنان أثناء نفيه في دمشق سنة 1860 فيما عُرف بطوشة النصارى (2) .

وهي الحضارة التي أنتجت أمثال الشيخ الباجوري شيخ الأزهر في عهد عباس باشا الأول ـ ذلك الشيخ الذي رفض الإفتاء بنفي بعض النصارى في السودان عندما طلب عباس الأول ذلك، وقد قال الشيخ الشجاع.

(إنه لم يطرأ على ذمة الإسلام طارئ، ولم يستول عليها خلل، وهم في ذمته إلى اليوم الآخر) (3) .

أما الحضارة الأوروبية الصليبية فهي حضارة مجرمة. أليست هي التي أبادت الهنود الحمر في أمريكا؟ أليست هي التي مارست عمليات الخطف والاستعباد والاسترقاق لأهالي أفريقيا؟ وقتلت منهم (45) مليوناً يوم أن كان سكان إنجلترا مثلاً ثلاثة ملايين؟

أليست هي الحضارة التي ذبحت خمسة ملايين جزائري في فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر 1830 ـ 1962 (4) .

أليست هي الحضارة التي زرعت الكيان الصهيوني في فلسطين؟

الحضارة الأوروبية حضارة مجرمة بكل إفرازاتها السياسية والفكرية. الرأسمالية والاشتراكية. الملكية والجمهورية. الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية.

فعلى سبيل المثال عانى شعب الجزائر معاناة شديدة على يد الملكيين والجمهوريين على السواء، على يد المحافظين والليبراليين الفرنسيين على السواء.

بل كانت معاناته تصل إلى ذروتها في فترات الحكم الاشتراكي في فرنسا.

ففي سنة 1940 مثلاً نفذت السلطات الفرنسية مذبحة كبيرة في أهالي الجزائر، وقتلت منهم في يوم واحد أكثر من (45 ألفاً) ـ بل وقام الطيران الفرنسي بحرق قرى جزائرية كاملة. وكان يحكم فرنسا في ذلك الوقت الاشتراكيون الديمقراطيون، بل إن وزير الطيران الذي أمر بدكّ القرى الجزائرية وإحراقها كان وزيراً شيوعياً.

وهكذا فإن الحضارة الغربية الأوروبية الصليبية لم تفرز إلا كل ما هو حقير ومجرم. ألم تفرز الشيوعية والفاشية والنازية؟ بل إن كل هذه الإفرازات السياسية والمدارس الفكرية المختلفة تتناسى خلافاتها الأيدلوجية والسياسية والفكرية وتظهر على حقيقتهاـ تظهر روحها الصليبية عندما يكون الأمر خاصاً بالعالم الإسلامي أو أحد شعوبه.

وإذا كانت الرأسمالية والشيوعية قد أُصيبتا بالإفلاس، وأصبحت سمعتهما سيئة للغاية؛ فإن المثقفين المغتربين في بلادنا يحاولون الآن تحسين سمعة الحضارة الغربية، وترويج بضاعتها لدينا عن طريق التبشير بإحدى إفرازاتها وهي الاشتراكية الديمقراطية.

ووصل الأمر إلى عقد أحد مؤتمرات هذه الاشتراكية الديمقراطية في مصر 1990 ـ ويتناسى هؤلاء أن الأفعى لا تلد إلا ثعباناً. بل إن حقائق التاريخ القريب تؤكد أن بلادنا عانت أكثر المعاناة على يد هذه الاشتراكية الديمقراطية بالتحديد.

ألم تقم حكومة فرنسا الاشتراكية الديمقراطية بأبشع المذابح في الجزائر؟ بل ومارس هؤلاء المنتمون إلى الاشتراكية الديمقراطية الفرنسية أبشع أشكال التعذيب والاستنطاق في السجون الجزائريةـ بل وابتكروا أساليب شديدة الهمجية سجلت اختراعها باسمهم مثل الإقعاء على قارورة زجاجية مكسورة، وغيرها من وسائل التعذيب الوحشية.

ألم تتلق إسرائيل الدعم دائماً وأبداً من الاشتراكية الديمقراطية الدولية، بل إن حكومة إسرائيل في معظم الفترات تنتمي إلى حزب العمل الإسرائيلي، وهو العضو النشط في الاشتراكية الديمقراطية الدولية.

ألم تتعرض مصر سنة 1956 إلى عدوان ثلاثي شاركت فيه ثلاث حكومات اشتراكية هي حكومة العمال البريطانية، وحكومة الحزب الاشتراكي الفرنسي، وحكومة حزب العمل الإسرائيلي.

يخطئ من يظن أن الحروب الصليبية هي تلك الحروب التي شهدها الشرق العربي منذ 1098 م وحتى 1295 م، بل الحقيقة أن الصراع مع أوروبا الصليبية امتد في الزمان والمكان قبل ذلك وبعد ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت