فهرس الكتاب

الصفحة 8099 من 27364

ياسر الزعاترة 14/3/1426

من المؤكد أن التقرير الثالث للتنمية الإنسانية العربية هو الأفضل بين التقارير الثلاثة التي صدرت حتى الآن، ولعل ذلك هو سبب التحفظ الأمريكي عليه، فيما يبدو أن موجة النقد التي تعرض لها كل من التقريرين السابقين هي التي وقفت بشكل أساسي خلف التوازن الذي يتسم به التقرير الجديد.

لم يقل أحد بأن المشاركين في هذه التقارير كانوا عملاء للولايات المتحدة، حتى بعد أن جرى استخدام ما فيهما في سياق تبرير استهداف العراق والأمة عموماً، ومع أننا نملك مبرر الشك في كل ما يتم تمويله من الخارج إلا أننا لا نجد غضاضة في الإشارة إلى بعض الإيجابيات هنا أو هناك. وقد كان اعتراضنا منصباً على الرؤية الغربية التي حكمت التقريرين السابقين، الأمر الذي يبدو أنه سينسحب على التقرير الرابع حول"تمكين المرأة"، والذي يرجح أن يحظى بالكثير من الرفض في الأوساط الإسلامية عموماًُ.

عودة إلى التقرير الجديد الذي يمكن القول أنه قدم توصيفاً معقولاً لمشكلة الحرية والتعددية في العالم العربي، لاسيما ما يتعلق باللعبة الديمقراطية الجديدة التي أعادت إنتاج الدولة الشمولية بطريقة مبتكرة من دون تغيير شيء في الجوهر، إذ قدم التقرير تفاصيل حول الآليات التي اتبعتها وتتبعها الأنظمة في سياق إبقاء الأوضاع القائمة على حالها على مختلف الأصعدة التي تتعلق بالحرية والتعددية وتداول السلطة.

والحال أنا لا نختلف كثيراً مع ما ذهب إليه التقرير على هذا الصعيد، فضلاً عن أحوال الدول التي لا زالت تدار بالطرق القديمة، بل لقد قلناه حرفياً وقاله سوانا في عشرات المقالات والدراسات، من دون أن يجري إغفال العامل الخارجي، أكان ما يتعلق بقضية فلسطين واحتلال العراق، أم دور الخارج المتعلق بدعم الديكتاتورية من قبل القوى المهيمنة في العالم، وهو أمر لم يعد التصريح به يتطلب الكثير من الجرأة بعدما اعترف به الأمريكان أنفسهم في سياق الحديث عن سياساتهم الجديدة في المنطقة، ولعل ذلك هو السبب في عدم الاحتجاج على هذا البعد في التقرير مع التركيز على مسألتي فلسطين والعراق.

في سياق التوصيات قدم التقرير منها ما يكفي لإصلاح الحياة السياسية في الدول العربية، مع أن ذلك لا يشكل وصفة ضرورية للتنمية إن لم يترافق مع خطوات حقيقة تؤدي إلى تفعيل التعاون العربي وإقامة السوق العربية المشتركة. وهنا تحديداً يبرز السؤال الثاني المتعلق بموقف الخارج، الولايات المتحدة تحديداً، وما إذا كانت ستسمح بتطور من هذا النوع يمكن أن يضع الأمة العربية على طريق القوة بعد امتلاك السيادة الحقيقية؟

والحال أن قراءة مضامين مشروع الشرق الأوسط الكبير، كما تبشر به الدوائر الأمريكية، إنما تشير إلى أن الصورة المطلوبة للعالم العربي تبدو أسوأ بكثير من صورته الحالية، تحديداً فيما يتعلق بالوحدة والتضامن، لأن الشرق الأوسط الكبير لم يعد كبيراً إلا بعد إضافة الدولة العبرية إليه، وهي التي ينبغي أن تصبح سيدة الجميع بلا منازع، ولن يحدث ذلك من دون تكريس سياسة الشرذمة على مختلف الأسس الطائفية والعرقية والمذهبية.

قبل سؤال الموقف الأمريكي من مسألة الوحدة التي لا تملك التنمية أفقاً من دونها، ينهض سؤال الموقف من تحرير الشارع العربي من سطوة الأنظمة واستعادته للحد المعقول من الحرية والمشاركة السياسية، وهنا يمكن القول إن دولة"الثقب الأسود"التي تحدث عنها التقرير، والتي يقول إنها قد"اعتمدت إلى حد كبير على أجهزة التحكم والدعاية، إضافة إلى تحييد النخب بالترغيب والترهيب، والمسارعة إلى عقد الصفقات مع قوى الهيمنة الأجنبية أو الإقليمية أو إلى التكتل فيما بين الدول لتعزيز وضع النخب الحاكمة ضد القوى الصاعدة". هذه الدولة لا يبدو أنها في طور الاستجابة لنصائح التقرير الجيدة، ليس لأنها لا تحب ذلك فحسب، بل لأنها تدرك أن الموقف الأمريكي منها لا يتحدد بناءً على موقفها من الحرية والتعددية الحقيقية، بل على موقفها من المطالب المتصلة بقضيتي العراق وفلسطين والدور الإقليمي للكيان الصهيوني، ومعها ما يتصل بالاملاءات الأخرى المهمة لتحقيق المصالح الأمريكية ذاتها. وفي العموم فإن عاقلاً لن يصدق أن واشنطن عازمة بالفعل على دفع عجلة الديمقراطية في الوطن العربي، لسبب بسيط هو إدراكها لما يعنيه ذلك من صعود قوىً أكثر عداءً لسياساتها، لاسيما وهي تدرك قبل ذلك أن مقولة الدكتاتورية كسبب للإرهاب هي محض إجابة زائفة هدفها التهرب من الأسباب الحقيقة التي يغضب الاعتراف بها سادة القرار السياسي من أتباع الدولة العبرية في الأروقة الأمريكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت