فهرس الكتاب

الصفحة 17023 من 27364

بقلم الشيخ: يوسف القرضاوي

إذا عجز العلم وعجزت الفلسفة عن إنقاذ الإنسان المعاصر من الدمار المعنوي الذي يهدده صباح مساء ، فلا يُتصور أن تكون الماركسية هي البديل الذي يقدم قارورة الدواء للمريض ، ومضخة الإطفاء للحريق - كما توهم ذلك بعض الناس أيام نفاق سوق الماركسية - وذلك لأمرين:

الأول: أن الماركسية جزء من الحضارة المادية المعاصرة ، بل هي الجزء الأشد غرقاً وإغراقاً في المادية ، لأن فلسفتها الكلية قائمة على المادية الخالصة ، فلا ترى للكون إلهاً ، ولا للإنسان روحاً ، ولا وراء الدنيا آخرة فكيف تكون البديل لنفسها ؟ وكيف يصلح الداء دواء إلا على طريقة أبي نواس:

* وداوني بالتي كانت هي الداء ؟!

وقد قال الشاعر:

إذا استشفيتَ من داء بداء فأقتل ما أعلَّك ما شفاك !

والثاني: أن الماركسية عاجزة كل العجز عن تكوين الإنسان المطمئن القلب ، المشرق الروح ، السعيد النفس ، لأن هذا ينبغ من الإيمان بالله وبالخلود في الآخرة ، والماركسي لا يؤمن إلا بالمادة المحسة وبالحياة الحاضرة ، لهذا يقول فلاسفة الأخلاق:

"الإنسان الماركسي ليس إنساناً حراً ... ذلك أن على المناضل العادي أن يطيع رؤساءه طاعة عمياء ، فيكون عبد"أسياده"كما هو عبد الكون المادي . إنه لولب بسيط يعمل في آلة التطور ، وما حريته إلا أن يخضع - بحسب النظرية الألمانية الزائفة - طائعاً مختاراً واعياً ! إن مثل الماركسي في العالم - وقد تحرر ، أو قل: تحلل ، من الدين ومن الأخلاق ومن الله ! - مثل العامل في المصنع ، إنه يشعر بأنه عبد حتمية قاهرة كحركة الآلة الطاغية ، وأن آلة العالم تأمر وتسيطر ، ويبدو أنه ليس في وسعه الخروج على مشيئتها ، ولا الإفلات من أسرها إلا خلال لحظات ثورة أو لهو ، كما يأبق العبد ويفلت لحظة من رقابة سيده ."

ثم إن الإنسان الماركسي ، في الواقع ، عاجز أشل ، إنه يعلم أن ليس في وسعه الحيلولة دون حدوث ما هو حادث حتماً ، ويعجز عن استخدام مبادهته الخاصة على نحو أصيل ، وغاية ما يقدر عليه الإسهام في تسارع إيقاع التطور .

إنه يشعر بعجزه عن تأمين مصيره الخاص ، فيقضي معظم حياته خائفاً مذعوراً.

والإنسان الماركسي ، أخيراً ، لا يتمتع بروح اجتماعية حقيقية ، لأنه لا يعرف الحب الحقيقي ، ولا يحترم إنسانية الإنسان ، نعم إن الماركسية تزعم الإسهام في إسعاد البشر ، ولكن هل تستطيع أن تحب الناس ؟

إن الإنسان لا يحب حباً حقيقياً ، إلا أشخاصاً يعترف بأن لكل واحد منهم قيمة فردية خاصة ومصيراً خاصاً .

يقول بردييف:"تتكشف الأخلاق الشيوعية الثورية عن أنها أخلاق لا تعرف الرحمة نحو الإنسان المشخص الحي ، نحو الغريب ، فالفرد ليس سوى لبنة لا بد منها في بناء المجتمع الشيوعي ، إنه أداة وحسب وإن الشيوعية لتنطوي في ذاتها على عنصر سليم صحيح يتصل بنظرتها إلى الحياة ، وهذا العنصر يطابق النظرة المسيحية ، ويمثل في أن على الإنسان ألا يستهدف مصلحته الخاصة ، بل أن ينفق حياته في خدمة مثل أعلى ، ولكن هذه الفكرة - وهي بذاتها رائعة - تفسر برفض منح الشخص البشري جدارة مستقلة ، وقيمة مستقلة ، أي نفحة روحية . ( من كتاب: فلسفة الأخلاق للدكتور عادل العوا .("

من كتابه: الإسلام حضارة الغد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت