في فضل القيادة من دون كاريزما!
حسام تمام 27/6/1428
ربما كانت الوحيدة بين الحركات الإسلامية التي تجري فيها الانتخابات دون أن يكون معروفاً مسبقاً أو متوقعاً من ستأتي به القواعد إلى سدة القيادة. وهذه ليست الميزة الوحيدة -وإن كانت الأهم- لحركة التوحيد والإصلاح المغربية عن بقية الحركات الإسلامية التي مازال معظمها يخضع في قيادته إما لقوة الكاريزما المهيمنة أو هيمنة الشرعية التاريخية أو تظل رهناً لأوضاع المصادرة والتضييق التي تقر فيها الحركة مجتمعة أن صعود القيادة أو تغييرها بالانتخاب ترف لا تملك الدعوة إليه أو النضال من أجله!
إذا كانت هذه ميزة حركة التوحيد والإصلاح الأولى؛ فإن الإقرار بها لا يكتمل إلاّ بالإقرار أنها لم تكن لتتحقق إلاّ بقيادات تاريخية كان من أهم شواغلها ترسيخ القيادة المؤسسية والتخلص من الآفات التقليدية التي غلبت على مجمل قيادات الحركات الإسلامية، وهنا لابد أن يتوقف المرء طويلاً عند عبد الإله بن كيران رئيس الحركة لفترتين في أهم مراحل تكوينها وصاحب البصمة الأهم في فضل ترسيخ نمط القيادة من دون كاريزما في حركة التوحيد والإصلاح!
منذ أن اقتربت من الحركة الإسلامية في المغرب وأنا أسمع عن هذا الرجل، وكان أكثر ما سمعته نقداً حاداً في حقه قد يصل إلى الجرأة على الرجل خاصة من بعض شباب الحركة، وكان هذا - في رأيي- غريباً في حق رجل تولى قيادة الحركة ما يقرب من عقد كامل شهد أهم أحداثها وتحولاتها حتى استوت على عودها رقماً مهماً في الحالة الإسلامية في المغرب وخارجها.
وحين التقيته للمرة الأولى قبل عامين في مكتبه بصحيفة (التجديد) في الرباط كان لافتاً لي طريقة تعامله مع مرؤوسيه التي تتسم بالمباشرة وعدم التكلف، ولاحظت أنها تخلو من ميكانيزمات الهيمنة والإخضاع التي دائماً ما تسم علاقة القادة بالأتباع، وهو ما ينشأ بينه وبين مرؤوسيه علاقة ندية أكثر منها تبعية. واستوقفني أكثر أنني حين بدأنا نقاشنا لم أجد كبير عناء في اقتحام الرجل بل ونقده، ولم يتركني الرجل كثيراً في حيرتي فقال في لحظة صفاء -وكأنما يجيب على أسئلة لم أطرحها عليه-: أنا قائد لا يبحث عن التوقير بين حركته (أو للدقة قال: أنا قائد غير موقر بين حركتي!) ، وأضاف: ولن تجد في حركتنا هذا النمط الشائع من القيادة بين الإسلاميين.
لفهم هذا النوع من القيادة سواء في شخص بن كيران أو حركة التوحيد والإصلاح لابد من التعرف على الجيل المؤسس للحركة الإسلامية في المغرب، الجيل الذي نشأ في حركة الشبيبة الإسلامية، ثم أسس للعمل الإسلامي في عقد السبعينيات في الجامعات المغربية، وبعدها انفصل في بداية الثمانينيات عن تنظيم الشبيبة بسبب تورط الأخير في العنف والتحريض على الدولة.
إنه الجيل الذي أسس لتجربة إسلامية جديدة بدأها بتنظيم"الجماعة الإسلامية"1981، واستمرت حتى تغير اسمها عام 1988 إلى حركة"الإصلاح والتجديد"، ثم دخلت عام 1996 في وحدة فريدة من نوعها كان ثمرتها"التوحيد والإصلاح".
كان بن كيران واحداً في مجموعة متقاربة عمرياً وفكرياً ومتساوية تقريباً في قدراتها وإمكاناتها ليس فيها من يفوق الآخرين أو يتميز عنهم، فكان معه محمد يتيم وعبد الله بها وعز الدين توفيق وسعد الدين العثماني وعبد العزيز بومرت والأمين بوخبزة ومحمد العمراني...وغيرهم ممن صاروا رموزاً للعمل الإسلامي.
أما بن كيران فهو رباطي من أصول فاسية بما تعنيه"فاس"من معاني الوجاهة والتقاليد، وُلد في 8 أبريل عام 1954 لأب من عائلة صوفية تعمل بالتجارة عُرف بعض أبنائها بالعلم الشرعي من بينهم"العالية"أول امرأة اعتلت كرسي العلم في مسجد القرويين، أما أخواله فهم من أسرة خزرجية الأصل استوطنت فاس قبل قرون. عن أمه أخذ عبد الإله الاهتمام بالشأن العام، وقد كانت تواظب على لقاءات حزب الاستقلال، فيما أخذ عن أبيه بعض التصوف والتعلق بتحصيل العلم الديني والميل إلى التجارة.
تلقى عبد الإله التعليم الديني برعاية من والده وحفظ أجزاء من القرآن في الكتاب، ثم تعرف في بداية حياته على بعض التنظيمات اليسارية، كما اقترب من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الاشتراكي في نفس الوقت تقريباً الذي كان يتردد فيه على حزب الاستقلال، وأخيراً كان التحاقه بتنظيم الشبيبة الإسلامية في عام 1976 بعد واقعة اغتيال الزعيم الاشتراكي عمر بنجلون التي اتهم فيها التنظيم.
تدرج عبد الإله سريعاً في العمل الإسلامي وأصبح من قيادات التنظيم، وكان لأبناء جيله ميزة أنهم من بدؤوا العمل الإسلامي لأول مرة في الجامعة، وأثناء ذلك قادوا الشارع تضامناً مع الشبيبة الإسلامية ومرشدها عبد الكريم مطيع الهارب خارج البلاد من الملاحقة القضائية في اغتيال بنجلون، فعرفوا تجربة السجن بسبب ذلك.