د مالك بن إبراهيم الأحمد
الحمد لله رب العالمين القائل: (فاصدع بما تُؤمر وأعرض عن المشركين) [الحجر:94] والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين القائل: [إن من البيان لسحرا] وبعد:
فإن أمر الإعلام في عصرنا الحاضر ودوره المؤثر والفعّال على الأمم والمجتمعات وعلى الدول والمؤسسات، والكبار والصغار، والنساء والرجال أمر لا يخفى على ذي بال لكن الطور الذي دخله الإعلام في سنيه الأخيرة ليس مجرد طور عادي، وليس مجرد وسيلة جديدة أو أسلوب متطور فحسب؛ بل الأمر هو التوجه العالمي للإعلام؛ بمعنى أن الإعلام لم يعد محصورًا في مكان أو حدود سياسية أو بقعة جغرافية.. بل أصبح يتخطى الحدود وربما يجاوز كل وسائل الرقابة.
كذلك فإن الأمر لا يقف عند هذا الحد.. بل تعداه إلى تكوين مجموعات أو شركات إعلامية أخطبوطية لها أذرع في كل مكان، ولها وجود في كل صنف من الإعلام.. تشارك في القرار السياسي وتؤثر في النشاط الاقتصادي.. توجّه المجتمعات وتقود الأمم في الفكر والثقافة، في الفن والرياضة، في الدين والأخلاق.
مفهوم العولمة:
العولمة مصطلح حادث مترجم عن الكلمة الإنجليزية Global ومعناها: عالمي أو دولي، وغالبًا ما تذكر مرتبطة بمصطلح القرية Village Global بمعنى القرية الكونية أو العالمية. ويدور مفهوم العولمة حول الوجود العالمي أو الانتشار الكوني، وغالبًا ما استخدم في السياسة والاقتصاد بمعنى النفوذ السياسي العالمي والمؤسسات الاقتصادية الدولية (الأخطبوطية) المتواجدة في أنحاء كثيرة من العالم ولها تأثير قوي ونافذ سواء في الشأن الاقتصادي أو السياسي المحلي (أي في البلدان المتواجدة فيها) . ثم تطور في جانب جديد وهو العولمة الإعلامية، عن طريق إنشاء مؤسسات إعلامية دولية ضخمة لها قاعدة أساسية في بلد وتنطلق منه إلى كثير من البلدان، ولها أثر فاعل في الإعلام المحلي لتلك البلدان.
أهداف العولمة الإعلامية:
من المعلوم أن الربحية غرض رئيس للرأسمالية الغربية، وأي نشاط اقتصادي يكون وسيلة لزيادة الدخل والربحية فإنه مُحبّب ومرغوب.. هذا هو منطلق العولمة الإعلامية.. ربح وربح وربح.
لكن لا ننسى أن القائمين على هذه المؤسسات والعاملين فيها لهم خلفيات وعقائد ومبادئ ينقلونها إلى العالم من خلال أنشطة مؤسساتهم الإعلامية مثلما تنقل السفينة البضائع، فلا يُستغرب أن نرى مضامين هذه العولمة الإعلامية مترافقة تمامًا مع ما درج عليه أصحابها، فالعنف يستشري في دمائهم، والجنس قضية بيولوجية، أما العقيدة فهي مجموعة من الخزعبلات والخرافات والشعوذات تتوافق أحيانًا مع تربيتهم الدينية (النصرانية) وتصادمها أخرى.
من المستهدف؟
ليس هناك مجتمع محدد مستهدف بالعولمة ولا قطاع معين أو دولة محددة، لكن أينما وجدت التسهيلات الفنية والإمكانات المالية فتجدهم هناك، لذلك نجد توجهًا قويًا للمجموعات الإعلامية الدولية تجاه المراهقين والأطفال، نظرًا للوقت الطويل الذي يقضونه أمام شاشات التلفاز، الإنترنت، الكمبيوتر.
والمجتمعات العربية والإسلامية مستهدفة بهذه العولمة ضمن هذا الميدان، فحيثما شُرعت الأبواب لهم فإنهم داخلون، لا يعتّدون غالبًا بالبيئات وثقافتها وتقاليدها فضلًا عن دينها ومبادئها.
من يقود العولمة الإعلامية؟
المتابع لوسائل الإعلام بكافة أنواعها - والتلفاز والسينما والإنترنت على وجه الخصوص - لا يخفى عليه الحضور الأمريكي الطاغي؛ لدرجة أن أصواتًا عدة ارتفعت في أوروبا (فرنسا على وجه الخصوص) لمقاومة المد الإعلامي الأمريكي الغازي.وفي الوقت نفسه بدأ السعي الحثيث لدى بعض المؤسسات الإعلامية الأوروبية نحو العولمة، بدءًا بالإنتشار الواسع داخل أوروبا نفسها ثم الإنطلاق نحو الأسواق الخارجية خصوصًا ذات الثقافة واللغة المتشابهة.
تطور العولمة الإعلامية:
بدأ التحول الضخم في اتجاه العولمة في مجال الإعلام بدءًا من الثمانينيات، وكانت البداية أفرعًا لمؤسسات وموزعين لمنتجات إعلامية، ثم تطورت الأمور مع التوسع الاقتصادي، والنمو السكاني، والانفتاح السياسي والاقتصادي بين الدول.استطاعت مجموعة من المؤسسات الإعلامية أن تفهم حاجات المجتمعات المختلفة للمواد الإعلامية مما ساعدها على تطوير أدوات إيصال لهذه المواد مستفيدة من التطور التقني الواسع في ميدان الاتصالات.
بدأت المؤسسات الإعلامية الأمريكية القوية في موطنها في تكوين شركات متعددة الجنسيات وشراء أنشطة ومؤسسات إعلامية في البلدان الخارجية المختلفة.واكب ذلك تحالفات استراتيجية مع الجهات المحلية القوية مستفيدة بدرجة كبيرة من النفوذ الأمريكي السياسي في العالم وتهاوي أدوات المنع أو الرقابة ووسائلهما في البلدان المختلفة.
وتطورت الأمور تجاه العولمة بسرعة بالتواكب مع العولمة الاقتصادية؛ حيث يمكن إدراج الإعلام جزءًا من الأنشطة الاقتصادية.
وصل عدد المؤسسات الإعلامية الدولية إلى (80) مؤسسة نصفها تقريبًا أمريكي.ويتوقع الاستمرار نحو هذا الاتجاه وزيادة التكتلات والمجموعات الإعلامية الدولية وذلك في المدى القريب والمتوسط.