فهرس الكتاب

الصفحة 13176 من 27364

الجوهر الليبرالي: فردانية القيم والتصورات

هبة رءوف عزت**

جون لوك

الليبرالية -بدرجة كبيرة- هي أيديلوجية الغرب الصناعي، والمفاهيم الليبرالية تبدو غير منفصلة عن الحضارة الغربية على الوجه العام.

وقد تم تصوير الليبرالية مؤخرا في كتابات أنصارها بأنها ليست فقط أيديولوجية بل ما وراء - أيديولوجية Meta-Ideology، فهي مجموعة من القواعد تضع أرضية للنقاش السياسي والفكري، وذلك يبين أن الليبرالية تعطي الأولوية لما يوصف بـ"الحق الفردي"على ما هو"فاضل أو صالح"، أي أنها تسعى إلى توفير حياة"جيدة"للناس والجماعات حسب تعريفهم هم الفرداني لما هو جيد، وذلك دون أن تضع أو تفرض أي مفهوم للصلاح أو الفضيلة. وفي مواجهة الانتقاد القائل بأن الليبرالية محايدة من الناحية الأخلاقية يؤكد أنصارها أن أفكارها وقيمها لهذا السبب ذات جاذبية عالمية، فلا أحد يخاف قدوم الليبرالية؛ لأنها تتعامل مع مصالح أعضاء المجتمع بتساوٍ، ويؤكدون أن الليبرالية ليست أبدا فلسفة"افعل ما بدا لك!"، فبالرغم من أن الليبرالية تشجع الانفتاح والمناقشة وحرية الإرادة فهي تتسم كذلك باتجاه أخلاقي قوي، ويتجسد الموقف الأخلاقي لليبرالية في نظرهم في التزامها بمجموعة من القيم والمبادئ المتميزة، وأهم محاورها يدور حول ما يلي:

*الفرد

*الحرية

*العقل

*العدالة

*التسامح

مركزية الفرد

ايمانويل كانط

يعتبر مفهوم الفرد في العالم الحديث مفهوما مستقرا لدرجة أن أهميته السياسية تؤخذ أحيانا كإحدى المُسَلمات، فالليبرالية طورت ما كان عليه المفهوم في الحقبة الإقطاعية، حيث ساد إدراك للفرد باعتباره ليس لديه مصالح خاصة به أو هوية متفردة، فكان ينظر إلى الناس باعتبارهم أعضاء في مجموعات اجتماعية ينتمون إليها كالأسرة والقرية والمجتمع المحلي أو الطبقة الاجتماعية، فحياتهم وهويتهم كانت تتحدد بدرجة كبيرة بحسب صفات تلك المجموعات، وذلك في عملية تغير طفيف من جيل إلى آخر، وعندما انهار النظام الإقطاعي واجه الأفراد نطاقا أوسع من الخيارات والإمكانات الاجتماعية، وأتيح لهم لأول مرة التفكير الفردي المطلق وبشكل شخصي بحت، فمثلا الفلاح المملوك الذي عاشت وعملت أسرته في نفس قطعة الأرض أصبح الآن رجلا حرا لديه القدرة على اختيار عمله وصاحب العمل، وأن يترك الأرض ليبحث عن عمل آخر في المدن الكبيرة.

ومع سقوط معطيات الحياة الإقطاعية ظهر أسلوب جديد من التفكير، فالتفسير العقلاني والعلمي بدأ تدريجيا يحل مكان النظريات الدينية التقليدية وأصبح النظر والتعامل مع المجتمع من زاوية الفرد وتحرره وليس الحفاظ على تضامن الجماعات الاجتماعية.

وقد انتشرت نظريات الحقوق الطبيعية في القرنين 17 و18 التي وظفت الخطاب الديني بشكل إيجابي ولم تتحدث عن قطيعة معه البتة، وذهبت إلى أن الله وهب الأفراد حقوقا طبيعية، يعرفها جون لوك بأنها"الحرية والحياة والملكية"؛ فالفرد وحده يمتلك هذه الحقوق لذلك فهو أهم من أي جماعة اجتماعية. ويعتبر أصحاب نظريات"الحقوق الطبيعية"أن وظيفة المجتمع يجب أن تكون حماية مصالح واحتياجات الفرد، وقد عبر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804) عن اعتقاد مشابه لذلك بشأن كرامة ومساواة الأفراد، فهي غايات في حد ذاتها وليست طرقا لتحقيق أهداف الآخرين.

ويعتبر مبدأ أولوية الفرد على الجماعة الخط الرئيسي للفكر الليبرالي، حيث دفع بعض الليبراليين إلى تعريف المجتمع باعتباره"مجموعة من الأفراد يسعى كل واحد منهم لتحقيق مصالحه واحتياجاته". ويطلق على هذا الرأي المذهب"الذري"، حيث ينظر للأفراد كـ"ذرات متنافرة"بداخل المجتمع، ويؤدي هذا التفكير إلى أن استنتاج أن المجتمع نفسه غير موجود، بل هو"متخيل"فهو مجموعة من الأفراد المكتفين ذاتيا. وتقوم هذه الفردية المتطرفة على الافتراض بأن الفرد يتمركز حول الـ"أنا"فهو أساسا أناني ومعتمد على نفسه بدرجة كبيرة. ويصف ماكفيرسون Macphe r son الليبرالية الأولى بأنها"فردية مِلكية"، فالفرد هو المالك، ويمتلك نفسه وقدراته الخاصة به وهو لا يدين بها للمجتمع. وقد تطورت هذه الرؤية وصار لليبراليين فيما بعد رأي آخر أكثر تفاؤلا بشأن طبيعة الإنسان يؤمن بأن الأفراد لديهم مسئولية اجتماعية إزاء بعضهم البعض خاصة الأفراد غير القادرين على رعاية أنفسهم (كالمسنين والمستضعفين والمعوقين) . وسواء اعتبرت الليبرالية الفرد أنانيا أو غير أناني؛ فقد اجتمع الليبراليون على الرغبة في خلق مجتمع يكون فيه كل فرد قادرا على تنمية وتطوير قدراته لأقصى درجة ممكنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت