اجتهد الشعب الفلسطيني في مذاكرة دروسه التي خطط لها منهجيا العدو قبل ما يقارب 120 سنة في بازل بسويسرا، وألف كتبها وقررها ونفذها قهرا وإجبارا عليه أخو المخطط اليهودي، قادة الغرب النصراني الصليبي [الذي بدأت تولي كبره المملكة المتحدة، وختمته غطرسة قادة واشنطن العدوانية] وكانت دروسا صعبة في لغتها وفي أسلوبها و مشوهة في طباعتها وشكلها، مع قسوة أساتذتها وسوء أخلاقهم وفظاظتها، فكلما حاول الدارسون محاورتهم و الشكوى من صعوبة دروسهم والضيق بها، رفع المدرسون هراواتهم وعصيهم وكسروا بها عظام جماجمهم وأرجلهم وأيديهم، وقالوا لهم: احفظوا دروسنا وافهموها واحترمونا، وإلا فاتركوا مدارسنا واذهبوا من بلادنا إلى غبر رجعة.
فانبرت لهم القيادات الإسلامية السياسية والجهادية من البلدان الإسلامية من جاكرتا إلى المغرب، وكان لبلاد الشام بمصطلحها الجغرافي الإسلامي حظها الوافر في ساحة الجاد، وكان لشباب مصر وغيرهم جهود جبارة في محاولة إنقاذ الأرض المباركة والأقصى الشريف.
وسالت دماؤهم مع دماء إخوانهم في فلسطين، على هضاب فلسطين ووهادها ووديانها وزلزلوا أقدام المحتل مع قلة عَدَدهم وعُدَدهم، ودخلت في الخط الجيوش العربية التي لم تكن معدة معنويا ولا ماديا، وتدخلت قوى الشر الأجنبية، وأجبرت قيادات تلك الجيوش على سحبها وقد هزمت هزيمة منكرة، ثم انعطف بعض الحكام لحرب المجاهدين بدلا من حرب اليهود وأعوانهم، فزجوا بهم في السجون وجازوهم بالمعتقلات والمشانق والاغتيالات.
وتمكن اليهود والدول الغربية من السيطرة على فلسطين، وقتلوا وشردوا وهجروا أهلها، واستؤنف النشاط الجهادي في أواخر الستينات، وكان لمعركة الكرامة مؤشر على نصب سُلَّم كرامة الأمة، ولكن المشروع أجهض والسُّلَّم حطم من عملاء في الداخل وأعداء في الخارج.
وقامت منظمة التحرير الفلسطينية التي توجت بإجماع الدول العربية في قممها المتكررة، [الممثل الشرعي والوحيد] وكان مشروعها الذي زاولته هو التدريب المادي والدعوة إلى المواجهة المادية، مثل الاختطافات والاغتيالات لبعض عناصر اليهود، وتبنت ما تبنته غالب الدول العربية من إبعاد التربية الإسلامية الجهادية عن أتباعها، وإن رفع بعض قادتها شعارات إسلامية في بعض المناسبات بدون تطبيق في الواقع.
بل كان بعضهم يصرح في مقابل من يدعو من الجماعات الإسلامية إلى جعل القضية الفلسطينية قضية إسلامية، - كما هو الأصل الذي يجب الالتزام به -كانوا يصرحون بأن القضية قضية عربية، بل كانوا يصرحون أحيانا بأنها قضية فلسطينية، وفي بعض المناسبات الإسلامية يحاولون من باب المجاملات أن يظهروا طلب العون لهم من حكومات الشعوب الإسلامية.
ونخن نعترف أن منظمة التحرير الفلسطينية خُذلت من قبل غالب العرب، بل إن بعض الفئات في بعض الشعوب العربية حاربتهم حربا قد تفوق حرب اليهود لهم، فتشتت شمل المنظمة في عدد من الشعوب العربية ونالهم اليهود بالاغتيالات في بعضها.
ومرت فترة حرجة على الشعب الفلسطيني في الداخل بالذات، حرم من كل ما تتمتع به الحيوانات في الغابات، وبدأ اليهود في اتخاذ الأسباب التي تجعله يخضع خضوعا كاملا للإهانات، دون أن يحرك ساكنا، ومن ذلك محاولة إغراق شبابه وشاباته بالخمور ولمخدرات، وتسهيل أنواع مختلفة من المغريات للفساد الأخلاقي، حتى ظنوا أنه كل أجياله القادمة ستكون فاقدة الكرامة والعزة.
فكان تشتت اللاجئين في الخارج، وعدم تأثيرهم على اليهود في واقع الأمر، وإخضاع إخوانهم في الداخل بشتى الأسباب، وعلى رأسها القهر المادي، مُطَمْئِناً للمحتل المعتدي.
ولكن رجال الدعوة والتربية الإسلامية الجهادية، كانوا يعقدون الحلقات المسجدية والمنزلية ويضعون الخطط والمناهج للدراسات الإسلامية والمنشورات السرية لتوعية أطفال فلسطين وشبابهم وشاباتهم وأسرهم، بطريقة لم يكن اليهود يعلمون ما يخبئه لهم القدر من تلك الجهود الصغيرة...
حتى جاء ت انتفاضات الحجر والمقلاع على أيدي المدارس الابتدائية والمتوسطة، بل بعض أطفال الروضة، وتصاعدت تصاعدا أقض مضاجع قادة الدبابات وحملة المدافع.
فاجتمع شياطين اليهود والصليبيين في الغرب، وأتباعهم في العالم، لتطويع منظمة التحرير الفلسطينية تطويعا يترتب عليها ثلاثة أمور:
الأمر الأول: جمع قادة المنظمة في داخل الأرض الفلسطينية تحت سمع وبصر اليهود، بحيث ينالهم سوط المدرسين وهراواتهم وقت الحاجة [وقد كان]
الأمر الثاني: إلغاء منهج المنظمة إزاء اليهود، الحرب المستمرة لليهود حتى يخرجوا من آخر شبر من الأرض المحتلة وإقامة الدولة المستقلة، وعاصمتها القدس. [وقد كان أيضا]