فهرس الكتاب

الصفحة 26007 من 27364

إن المستقرئ للأحداث يدرك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر ليست هي المحرك الوحيد لما تلاها من أحداث، وإن حاول الصليبيون أن يروجوا ذلك، ولكنها كانت الظرف الأفضل الذي يمكن من خلاله عمل ما جرى التخطيط له منذ زمن. إن أمريكا بعد انهيار توازن الرعب بانهيار الاتحاد السوفييتي اشرأب عنقها نحو السيطرة الفعلية على العالم، وإن هذا قد جرى التخطيط له منذ فترة رئاسة (ريجان) ، بل قبل ذلك، ولكننا نحن الذين لم نتفطن لذلك ولم ننتبه له، وكان ينبغي علينا أن نحسب لهذه الأيام حسابها، وأن نعد لها العدة، فإن الذي يبدأ بالضربة الأولى هو الذي يملك زمام الأمر لفترة تطول أو تقصر بحسب قوته، واستعداده، وبحسب قوة الخصم، واستعداده لاستيعاب الضربة الأولى، ولا شك أن الذي يكون في وضع الدفاع يفقد جزءاً من قوته مع الضربة الأولى، وتتوقف استعادته لتوازنه على قدرته وتدريبه على مثل تلك المواقف، وكيفية مواجهتها ووضع الخطط المناسبة لها، ونحن وإنْ كنا لن نضرب الضربة الأولى لعدم استطاعتنا لذلك، بل سنظل ننتظر الضربة التي تقع علينا؛ فما زال في الوقت فسحة ولو قصيرة للمخلصين للتخطيط لتلقي الضربة الأولى، وكيفية العمل على إفسادها، ومن ثم العمل على إيقاف تلك الهجمة التي لو قدر لها أن تنجح فلن تبقي ولن تذر، وسيتحول المسلمون الطاهرون عندها إلى رعاة خنازير عند عباد الصليب. وبعدُ فنحن هنا لسنا دعاة حرب، بل في حالة دفاع عن الدين والنفس والمال والعرض، وكلها من الضروريات، ولسنا في حالة هجوم؛ فنحن لا نخطط للذهاب إلى بلادهم وديارهم ومهاجمتهم، وإنما ندعو أمتنا للتخطيط من أجل الحفاظ على ديننا وديارنا وأهلينا وثرواتنا، وليس في هذا عدوان على أحد، وإنما هو محاولة لرد العدوان، ومحاولة لزجر من تسول له نفسه أن يقترب من حياضنا؛ حتى يعلم أننا لسنا لقمة سائغة يسهل ابتلاعها وهضمها، بل يدرك أننا لقمة مُرَّة يصعب ابتلاعها، وأنه لن يشعر بالسعادة أبداً إذا حاول ابتلاعها، بل سيجدها أشواكاً ضخمة في حلقه مثل الكلاليب تسد حلقه، حتى تقضي عليه، {لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ} [الروم: 4 - 5] . وإني أرى أن تقوم الآن في كل دولة مسلمة هيئة هدفها العام إعداد الدولة للمواجهة والجولة القادمة، وهي هيئة حكومية أو مدعومة من الحكومة تتعاون فيها وزارات الدفاع، والدعوة، أو الأوقاف، والتعليم مع مجموعة من الكفاءات الشعبية، ومن أول ما ينبغي القيام به من هذه الهيئة أن تطلع الشعوب على ما يراد بهم؛ فإن عدونا لم يعد اليوم يخشى من التصريح بما يريد فعله في ديار المسلمين، فألفاظهم صريحة محددة، ومباشرة ليس فيها تورية؛ فلا بد من إطلاع أمتنا على ذلك، حتى تكون لديهم البصيرة بما يراد بهم، وماذا يريد هؤلاء منهم، وحتى لا ينخدعوا ببعض ما قد تبثه وسائل الإعلام التابعة، أو الموالية لهم، ولست أتمنى أن يأتي اليوم الذي يقف فيه الإنسان، كما وقف الشاعر العربي قديماً بعدما نصح قومه بالاستعداد للعدو فأهملوا نصحه، حتى فجأهم العدو ضحى على حين غرة، فحصل لهم ما حصل من الهزيمة والخسران؛ فوقف الشاعر وقال:

أمرتُهُمُ أمري بمُنعَرَج اللِّوى *** فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ

أسأل الله ـ تعالى ـ أن يوفقنا وأمتنا، وأن يحفظ علينا ديننا وأمننا، وأن يرد كيد عدونا في نحره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت