فهرس الكتاب

الصفحة 4889 من 27364

أحمد محمد الفضيل

أنزل الله الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى وفرقاناً ورحمة لقوم يوقنون، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ففتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وبدد بدعوته ظلمات الجهل والحماقة، وأسقط الأغلال التي كانت على العقول، حتى أمسى شرك الجاهلية وضلالها أسطورة غابرة، وأضحت عبادة الأصنام في ميزان المسلم إفكاً قديماً، ويعجب المسلم - فيما يعجب - من سخف المشركين من قولهم في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك!) [1] .

سبحان ربي! كيف سوغ الشيطان هذا السخف لأوليائه، وزين لهم ما كانوا يفترون؛ وصدق الله (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ ولِياً مُّرْشِداً) [الكهف: 17] .

غير أنه يجب أن نذكر دائماً أن الابتلاء مستمر، ومادة الشر باقية، وشياطين الإنس والجن مشمرون في ترويج الضلال، حتى زخرفوه بكل حلة، وروجوا له بكل لسان: (وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواً شَيَاطِينَ الإنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً) [الأنعام: 112] .

ومن الواجب كذلك أن نتتبع طرق الغي بالتحذير منها، وكشف مراميها وأبعادها وسد السبل على دعاتها؛ حتى يكون المسلمون على بينة من ربهم، وبصيرة من سبيلهم، ولا يضرهم انتحال المبطلين، أو كيد الحاقدين.

ولقد شاعت في دنيا المسلمين فلسفات وأنظمة؛ خدعت الكثير منا ببريقها، وانتشرت شعارات ومصطلحات أسرت العقول، واستحوذت على الأفكار، ووراء ذلك كله داء دوي، ونار - لو قُدر لها أن تنتشر - لم تأتِ على شيء إلا جعلته كالرميم.

وكان المسلمون قبلها يتلون كتاب الله، ويتدبرون آياته، ولا يخالج أحداً منهم شك في حق التشريع ولا ريب؛ فالتشريع كله - الحلال والحرام والسياسة ونظم المجتمع - كله لله، حقاً خالصاً من أخص خصائص الألوهية، كما أن الإقرار به أول طريق العبودية، وكان المسلمون يعلمون كذلك أن كل سلطان أو إمارة في دولتهم إنما يكتسب المشروعية، ويأخذ حق الطاعة من الله - سبحانه - فلا سلطان ولا طاعة ولا ولاء إلا لله وأمر الله ودين الله، وكل سلطة من غير هذا السبيل فإنما هي خروج عن التوحيد: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهاً واحِداً لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة: 31] .

وما كان اتخاذهم أرباباً، ولا كانت عبادتهم إلا طاعتهم في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) [النساء: 60] .

وأعظم الناس منزلة عند الله أنبياؤه ورسله، إنما بلغوا هذه المنزلة السامية بتمام عبوديتهم، وكمال خضوعهم لله: (ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ(25) وقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَداً - سبحانه - بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) [الأنبياء: 25-27] .

والنبي بريء من كل دعوى تخالف عبوديته، كما في قول عيسى - روح الله وكلمته - لربه: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ) [المائدة: 117] .

إذن فالأمة كلها - حاكماً ومحكوماً وأميراً ومأموراً، وبشتى طبقاتها -ليست إلا مخلوقة لله، مربوبة مستعبَدة، والأمر كله لله: (ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [البينة: 5] .

ثم تسرب إلينا الفكر الصليبي اللاديني [2] ، حاملاً معه خلفيات المعركة التي استعرت في أوربا بين كنيسة ضالة خانت الأمانة، وسخرت تعاليم السماء لأحط غرائز الأرض، وبين الشعب الذي لم يَرَ في هذه الكنيسة سوى عقبة تحول دون انطلاقه وتحرره، وتسومه سوء العذاب، ودخل عالم المسلمين تعبيرات جديدة: سيادة الأمة، حكم الشعب للشعب، الشعب مصدر السلطات، الدين لله والوطن للجميع، وتضاربت الأقوال حول هذه المستجدات المصدّرة، وتباينت كذلك المواقف، ووقف رجال لم تخنهم البصيرة، ولم ينقصهم الإخلاص وسط هذه الزلزلة، وجهروا بالحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، بينما تحرك الكثيرون ممن كانوا يحتلون مواقف القيادة الفكرية؛ لينخرطوا في اللعبة الجديدة، ودون أن يتفوهوا بكلمة واحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت