فهرس الكتاب

الصفحة 10740 من 27364

الآخر في القرآن الكريم والسنّة الشريفة

إن المعرفة الحقيقية بالنسبة للمسلم هي التي تبدأ من القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة لذلك بحثت في هذه المسألة فوجدت أن القرآن الكريم قد أولاها عناية خاصة، فقد قسمت سورة البقرة البشر إلى ثلاثة أصناف: المؤمنين، والكافرين، والمنافقين. وبعد ذلك تحدث القرآن عن نماذج من هذه الأصناف وصفاتهم

والآخر في عهد الرسو صلى الله عليه وسلم كانوا كفار قريش، واليهود، والنصارى، والمنافقون. وقد قدمت الآيات الكريم صوراً واضحة لكل فئة من هؤلاء، وأوضحت كيفية التعامل معهم ، فبالإضافة إلى توضيح صورة الآخر عقديا فقد اهتم أيضا بالجوانب الأخرى، فها هي صورة العربي الجاهلي وموقفه من المرأة {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون} ( [1] ) . وأوضح القرآن الكريم انحرافات قوم لوط وانحرافات قوم شعيب، وقد روى البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها صور النكاح في الجاهلية مقارنة إياها بالصورة التي ارتضاها الإسلام. ( [2] ) وورد في السيرة النبوية الشريفة وصف جعفر بن أبي طالب للإسلام وكان من هذا الوصف بعض الأمور الاجتماعية. ( [3] )

ويسبق معرفة الآخر معرفة الذات أو النفس، ليؤكد أمرين، أولهما: تثبيت الهوية الخاصة بالمؤمنين بتوضيح صفاتهم، وأخلاقهم، وعلاقاتهم بالكون والحياة، فقد وردت كلمة الإيمان بمشتقاتها المختلفة، آمن، آمنوا، يؤمنون، مؤمنون، مؤمنين، مؤمنات .. أكثر من سبعمائة مرة، ولو أضفنا الصفات الأخرى المرادفة مثل: الصادقين والقانتين، والمتصدقين، والخاشعين، لكان أكثر من ذلك.فمن الآيات التي توضح خصائص المؤمنين قول الله تعالى في وصفهم في مقدمة سورة البقرة: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون،أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} ( [4] ) ومن ذلك قول الله عز وجل {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ، والله رؤوف العباد} ( [5] ) وقد وردت أحاديث كثيرة توضح صورة المسلم ومنها قول صلى الله عليه وسلم ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) ( [6] ) وقول صلى الله عليه وسلم ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ( [7] ) وقول صلى الله عليه وسلم في وصف المؤمنين (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.) ( [8] )

ثانيا: معرفة الآخر بصفاته، فقد وردت لفظة الكفر أيضا بمشتقاتها المختلفة ، كفر، كفروا، كافرون، كافرين، يكفرون حوالي خمسمائة مرة، وكذلك الأمر بالنسبة لصفات الكافرين والمشركين مثل الكذب، والظلم والفساد، والخداع، والجحود. ومن ذلك وصف الكافرين في سورة البقرة {إنّ الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون،ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم} ( [9] ) وقد جاءت أوصاف المنافقين في مقدمة سورة البقرة في ثلاث عشرة آية ومنها قوله تعالى { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ، يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلاّ أنفسهم وما يشعرون ، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} ( [10] ) ومن أوصاف الكفّار في القرآن الكريم قوله الله تعالى { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ، وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ، وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد} ( [11] ) وبالنسبة للمنافقين فقد جاءت سورة باسمهم (المنافقون) وجاءت سورة أخرى تفضحهم بأعمالهم وهي سورة (التوبة) حتى إنها سميت سورة الفاضحة لكثرة ما ورد فيها من صفات المنافقين. ومن الأحاديث الشريفة التي توضح صفات المنافقين قول صلى الله عليه وسلم (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب وإذا وعد اخلف وإذا أؤتمن خان) ( [12] )

وهكذا فالحدود الفاصلة بين"نحن"و"الآخر"واضحة جداً لدى المسلم، وقد يتساءل المرء: ما سر هذا الأمر، وما أسبابه؟ إن أسباب هذا الوضوح هو أننا أمة الدعوة، وأمة الشهادة، والأمة الوسط ؟ ونحن مكلفون بالدعوة إلى هذا الدين {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن} ( [13] ) .

ويرى محمد عمارة أن"الحديث عن"الذات" و"الآخر"ثقافياً لابد أن يقود إلى تحديد المعالم المميزة للنموذج الثقافي الإسلامي عن النموذج الغربي " ( [14] ) ويؤكد عمارة بأن " الإسلام هو المكون لذاتيتنا الثقافية والمحدد لمعالم نموذجنا الثقافي وتميزنا عن"الآخر"الغربي قائم فقط حيث يكون التميز والاقتران الأمر الذي يجعل علاقة نموذجنا الثقافي -الذات الثقافية- بالآخر هي علاقة التميز والتفاعل." ( [15] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت