علي حسين باكير * 16/3/1426
يثير الموقف الفرنسيّ من التطورات الحاصلة في المنطقة مؤخّراً تساؤلات عديدة، و يطرح شكوكاً مشروعة حول طبيعة هذا الموقف خاصة في شقّه المتوافق جداً مع توجّهات الولايات المتّحدة الأمريكيّة لا سيما أنّ فرنسا كانت و حتى وقت قريب جداً تقود المحور الروسي-الفرنسي-الألماني في مواجهة الولايات المتّحدة الأمريكيّة و مخطّطاتها, فماذا جرى حتى تتبدّل الموازين، و تنقلب المواقف ؟ و هل هذا الموقف الفرنسي حالياً هو موقف آنيّ أم إستراتيجية حُسم أمرها بعد الفشل في مواجهة التعنّت الأمريكي و نجاح بوش في ولاية ثانية؟
في الحقيقة تبرز في هذا الإطار قراءتان مختلفتان للموضوع:
القراءة الأولى: ترى أنّ فرنسا كانت تتوقع من حلفائها التاريخيين في المنطقة، و في مقدّمتهم سوريا تنسيقاً و تعاوناً أكبر في مواجهة الموقف الأمريكي, و في هذا السياق تفاجأت فرنسا من التحركات الدبلوماسيّة السوريّة بعد الحرب على العراق مباشرة، و التي كانت حسب وجهة نظرها تقرّباً من واشنطن على حساب فرنسا خاصّة إثر تسرّب معلومات مؤكّدة إليها عن اجتماعات سوريّة - أمريكيّة على مستويات مختلفة عسكريّة و اقتصاديّة و سياسيّة مما يخالف الاتّفاق الضمني بين باريس و دمشق. و جاءت عملية اختطاف الرهينتين الفرنسيتين (الصحفيين) آنذاك لتؤكّد وجود خلاف كبير بين سوريا و فرنسا, و لجأت فرنسا في إطار المساعي لإطلاق سراحهما إلى كل من مصر و الأردن و قطر فيما أهملت سوريا على الرغم من معرفتها بقدرة السوريين على تقديم المساعدة بشكل أكبر في هذا الملف. أكثر من ذلك فقد اتّهمت جهات داخل فرنسا سوريا بالقيام بالعملية لكبح التقارب الفرنسي الأمريكي, و في هذا الإطار حاول شيراك إفشال مهمات وسطاء فرنسيين توجّهوا لسوريا للترتيب لعملية الإفراج عن المعتقلين مع الجهات السورية, و هو ما اعتبرته القيادة السورية إشارة سلبية جداً من السلطة الفرنسية.
و بالتالي رأت فرنسا أنّه إذا كان حلفاؤها في المنطقة يتواصلون مع أمريكا مباشرة فما مصلحتها هي في استبقاء العداء مع واشنطن ؟ لكنّنا نتحفّظ كثيراً على هذه القراءة و نراها منقوصة و تضليليّة، كما أنّها -إن صحّت- يمكننا تفهّم الموقف السوري فيها في التعامل و التعاون مع الأمريكيين خاصّة وأنّ مفاتيح اللعبة أصبحت مع الولايات المتّحدة في الملف الفلسطيني، و الملف العراقي بعد أن أصبحت أمريكا جارة لسوريا، و على حدودها
القراءة الثانية تقول: إنّ فرنسا شيراك تأثّرت بالأوضاع الداخلية التي شهدت تنامياً للوبي الصهيوني الموالي لإسرائيل و المعادي لسوريا داخل حزبه، و سمّت بعض المصادر اسم"سيرج داسو"و اللوبي الاقتصادي الإعلامي الذي كان أحد عناصر الضغط في تحوّل الموقف الفرنسي من سوريا, أضف إلى ذلك أنّ فرنسا أعادت مراجعة حساباتها بعد الغزو الأمريكي للعراق، فوجدت أنها خسرت و بكل المقاييس.
ففي موضوع العراق, خسرت فرنسا معركة العراق مع أمريكا؛ فقد كانت فرنسا للعراق الشريك التجاري الأوّل, كما أنّ الديون العراقيّة لفرنسا كانت كبيرة جدّا ناهيك عن الشركات الفرنسية العاملة في العراق, و هذا يعني أنّ الهجوم الأمريكي على العراق أدّى إلى فقدان فرنسا لنفوذها في هذه المنطقة إضافة إلى أموالها و مصالحها. وأدركت فرنسا أنّ سيطرة أمريكا على منابع النفط بشكل مباشر- و التي كان العراق خارج إطارها إلى ما قبل الاحتلال- سيعني قدرة الولايات المتّحدة على التحكّم باقتصاديّات الدول الأوروبيّة و نموّها، خاصّة وأنّها تستهلك نسبة كبيرة من نفط المنطقة.
حتى بالنسبة إلى حلفاء فرنسا في المحور الفرنسي الألماني الروسي, فقد كانت فرنسا الخاسر الوحيد بينهم؛ فروسيا أصبحت محور استقطاب لحلفائها القدامى و آخرين جدد في المنطقة كسوريا و إيران و تركيا، و استفادت من صفقات عسكرية و تجارية و اقتصادية، و بالتالي عزّزت موقعها في المنطقة في حين لم تتلق ألمانيا ضغوطاً كبيرة كونها أقل تأثيراً في المنطقة، في حين كان نصيب فرنسا خسارة مواقعها القديمة (العراق) و (سوريا و لبنان) و توتّرت علاقاتها مع تركيا، و صبّت أمريكا جامّ غضبها عليها، و حرمت شركاتها من الاستثمار في العراق ، و شنّت حرباً سياسية و إعلامية ضدّها.
أضف إلى ذلك أنّ الولايات المتّحدة استطاعت أن توجد خطًّا من داخل أوروبا موالياً لها، و هو ما أدّى إلى انشقاق في الاتّحاد الأوروبي و إلى إضعافه و إثارة الخلاف بين أعضائه، و أفقد فرنسا الكثير من سطوتها و فعاليتها كقائدة للاتّحاد الأوروبي.