فهرس الكتاب

الصفحة 8103 من 27364

و بناء على هذه القراءة ترى فرنسا أنّ أولويتها هي استعادة العلاقات الحسنة مع الولايات المتّحدة خاصّة، و أنّ عليها التعامل مع حقيقة أنّ جورج بوش قد تمّ انتخابه لولاية ثانية في محاولة منها لإنقاذ ما تبقّى من مصالحها في المنطقة، و للاستفادة من المكاسب الأمريكيّة، و بالتالي يجب التضحية بأحد الأوراق الفرنسية لكي تثبت ولاءها لأمريكا، فكانت سوريا و لبنان على أمل أن تكسب فرنسا إيران، و لا تضحّي بها في هذا الإطار. و تربح فرنسا في نفس الوقت طالما أنّها في الصّف الأمريكي.

و تبدو هذه القراءة أوضح خاصّة أنّ التقارب الفرنسي بدا كأنّه إستراتيجية مدروسة و ليس تكتيكا أنيًّا، و ذلك عبر رصدنا للخطوات التدريجيّة التي قامت بها فرنسا على الشكل التالي:

أّولاً: صنّفت فرنسا و معها الاتّحاد الأوروبي حركات المقاومة الفلسطينيّة و من بينها تحديداً حماس و الجهاد بأنّها حركات إرهابية مع ما يترتب على هذا التصنيف من نتائج على كافّة الصعد، و جاء ذلك لإرضاء أمريكا و تجنّباً لسخطها في إطار ما يُسمى الحرب على الإرهاب فهل اختلفت فرنسا في خطوتها هذه عن أمريكا و إسرائيل؟

ثانياً: فقد حضرت فرنسا في قمّة الثماني الكبار (G8) ، التي عُقدت في 9/6/2004 في سي آيلاند بولاية جورجيا الأمريكيّة، حيث شاركت في صفقة غير أخلاقية اقتضت بأن تقوم الولايات المتّحدة بتعديل مشروع الشرق الأوسط الكبير بما يتناسب مع مصالح و وجهات النّظر الأوروبيّة مقابل أن توافق فرنسا على تمرير مشروع القرار الأمريكي الذي طرح على مجلس الأمن آنذاك في قرار 1546 و الذي يقول بانتهاء الاحتلال الأمريكي للعراق، مع العلم أنّ فرنسا كانت تدرك جيّداً أنّ الاحتلال لم ينته و أنّ أمريكا مازالت موجودة، ثالثاً: ففي 2 سبتمبر/ أيلول 2004، وبعد مناقشات سرية، توصلت الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا مجتمعتين إلى بلورة صيغة القرار 1559 في مجلس الأمن الدولي، بمعنى أنّ فرنسا شاركت بتمرير القرار ضدّ سوريا و لبنان"الصديق التقليدي لفرنسا!!"، وهو يهدف إلى ابتزاز السوريين للموافقة على كافة الشروط الأمريكية فيما يتعلّق بالعراق و الحرب على الإرهاب و خاصّة ما يتعلّق بإستراتيجيّة أمريكا للدفاع عن إسرائيل مهما كلّف الثمن، كما يهدف القرار إلى كسر شوكة اللبنانيين و تحجيم انتصارهم في تحرير أرضهم، فهل كانت فرنسا تجهل كل ذلك؟! أنسيَ السيّد شيراك ما قال في آخر كلمة له أمام البرلمان اللبناني منذ عدّة أشهر:"إن خطوات إعادة الانتشار وفقاً لاتفاق الطائف ومرجعيته الدولية تعني أن الانسحاب العسكري السوري غير ممكن بأي صورة قبل تحقيق السلام الشامل في المنطقة"؟!

فما الذي تغيّر منذ ذلك الوقت و حتى الآن, أهي مصلحة لبنان و سوريا التي تغيّرت أم أنها مصلحة فرنسا التي تغيّرت؟* باحث في العلاقات الدوليّة مقيم في لبنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت