محمد جلال القصاص
لا أتكلم عن الحوار داخل الصف الإسلامي ـ مع أنه غير موجود على أرض الواقع ـ ، وإنما أتكلم عن الحوار مع ( الآخر ) الذي لا يدين دين الحق ، من الذين أوتوا الكتاب .
يتداعى لهذا الحوار ثلة من المفكرين ، الذين يرفعون شعارات ( العقلانية ) , ويلبسون حُلَّة التفكير ، وقد دارت منه جولات منذ بدأ في نهاية القرن التاسع عشر في لبنان على يد محمد عبده بالتعاون مع عدد من القساوسة والأحبار . وبعد قرن أو يزيد من الزمن على بدء هذا الحوار بين الثقافات أو الحضارات ـ كما يسمونه ـ يتبين لكل متدبر أنها خدعة عصرية وقع في شراكها كثير من العقلانيين ، وأرى نفرا من الشرعيين ينزلقون .
ويتضح ذلك من أمور:
أولا: مادة الحوار .
مادة الحوار هي ثوابت الإسلام ، مثل الجهاد . . جهاد دفع أم جهاد طلب ؟ ، والكافر الذي يعيش في بلاد المسلمين مواطن من الدرجة الأولى أم ذمي يتقيد بقيود ؟ ، والمرأة في الإسلام ما بالها ترث النصف وتُؤمر بالجلوس في البيت ويُنكح عليها ؟ ...
ولم نسمع مرة أن نفرا ، بل أحدا ، ممن جلسوا أو كتبوا في هذه الحوارات طرح ثوابت النصرانية للنقاش ، كالتثليث ، والفداء ، وعبادة ( طاعة ) الأحبار والرهبان من دون الله ، والكفر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم بل جملة الطرح دفاعي تسويغي . يُذكرك بجلسات التحقيق بين مجرم مذنب وبريء مجني عليه .
ويحتجون علينا بأننا أمرنا بمحاورة أهل الكتاب ومجادلتهم بالتي هي أحسن ، وهو بترٌ للنص ، وخروجٌ عن السياق القولي الفعلي للدعوة الإسلامية.
الآية تقول: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ النحل:125 ]
فهنا حديث عن دعوة ( الآخر ) إلى الإيمان بالله ورسوله ، وسياق الدعوة الفعلي والقولي يُبين أن طريقة الحوار التي أدارها النبي صلى الله عليه وسلم مع ( الآخر ) كانت دعوة إلى الإسلام ليس إلا { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ آل عمران64 ]
ولم تكن يوما نَبْشاً عن نقاط الاتفاق للالتقاء عليها ، من باب خدمة الإنسانية والحملة على الفساد ، لم يفعل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستضعف في مكة . فهو وإن استفاد من أعراف الجاهلية إلا أنه ظل ينبذها ويصفها بما هي أهله . . . يحافظ على الصورة الصحيحة للجاهلية في حس مريديه .
ثانيا: من المسلم به أن الإسلام له شمولية تطال كل الأشياء { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } [ الأنعام:من الآية 38 ] ، وله خصوصية تامة في الحكم على الأشياء بالصحة أو الفساد .وله خصوصية في معالجة القضايا ، فمن أين نأتي بتوصيف مشترك للفساد ؟!
وتدبر: ( في الجاهلية الأولى كان المال دولة بين الأغنياء ... قِلَّة غنية وكَثرة بالكاد تجد قوت يومها ، وفي الجاهلية الأولى كانت الحروب تأكل الرجال على ناقة أو لأن فرسا سبقت أختها ، وفي الجاهلية الأولى كان الزنا وكانت الخمر وكان وأد البنات وبيع الأحرار . وكان الشرك الأكبر( شرك النسك وشرك الطاعة ) ...
ولم تخل الجاهلية من المصلحين ، الذين يسعون في إصلاح ذات البين لحقن الدماء ورفع الظلم عن الضعفاء .
وحين بعث رسول ا صلى الله عليه وسلم لم يضع يده في يد أحد من هؤلاء .
بكلمات أخر: رغم أن الدعوة الإسلامية كانت تدعوا لمثل ما كان يدعو إليه المصلحون من مكارم الأخلاق إلا أنها لم تضع يدها في يد أحد من هؤلاء . ذلك لأنه وإن اتحدت الأهداف فإن المنطلقات متغايرة . فهؤلاء دوافعهم شتى .. تدفعهم المروءة ويدفعهم الثناء الحسن ويدفعهم عرف الآباء ، أما المسلمون فيدفعهم طاعة الله ورسوله ـ ولا ينبغي أن يكون لهم دافع غير ذلك ـ . وهؤلاء تقف أهدافهم عند إصلاح الدنيا والمسلمون يصلحون الدنيا للآخرة . وشتان .) [1]
ثالثا: مَن يتحاورون .
الملاحظ أن الحوار يكون مع رجال الدين ، ومع المنظّرين للكفر والإلحاد ، وهؤلاء هم الملأ ، وهؤلاء هم الذين يفتعلون الشبهات حول الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ، هم الذي يقولون على الله الكذب وهم يعلمون ، هم الذين يعرفون الكتاب كما يعرفون أبناءهم ، وغني عن الذكر أن كفر هذا الفصيل من الكافرين ليس جهلا ، وكيف وهم يدرسون الإسلام عشرات السنيين ، وإنما عنادا واستكبارا .
والسؤال: لماذا لا يكون الحوار مع جميع النصارى عامتهم وخاصتهم ، وهو الصحيح المفهوم من معنى الدعوة في الإسلام . يكون عوام الناس هم المستهدفون بالحوار . يفتحوا لنا قنوات للعرض الإسلام على عوامهم وخواصهم سواء .