فهرس الكتاب

الصفحة 8247 من 27364

الصّراع في دارفور ومخاطر التّقسيم

بدران بن الحسن 29/6/1425

بين يدي المشكلة:

يملكنا نحن المغلوبين على أمرنا في العالم العربيّ خصوصًا وفي العالم الإسلاميّ عموماً؛ حاكمين ومحكومين- انطباعٌ عامّ وهو أنْ نعدّ كلّ شيء يأتي من الغرب إما"طاهرًا مقدسًا أو حقيرًا مدنّسًا"بنظرة حديّة بالغة السذاجة كما يقول مالك بن نبي _عليه رحمة الله_، وذلك بفعل عدم قدرتنا على إدراك الأمور في عمقها وشمولها وفهم مختلف أبعادها .

فنجد أنفسنا أمام موقفين لا ثالث لهما، فالذين يعتقدون أنّهم يوالون الانتماء الحضاريّ الإسلاميّ يرَوْن في كل موقف غربيّ أنّه تحامل على الإسلام والمسلمين وحضارتهم ووجودهم، أمّا المنتمون إلى التغريب من أبناء المسلمين فيهلّلون لكل ناعق من العالم الغربي دون تفحّص لما يقول أو يفعل، وذلك بحكم الاغتراب الحضاريّ الذي يعيشونه، وكلا الطرفين مجانب للصواب، فإنّه ليس كل ما يأتي من الغرب شرًا، وليس كل ما يأتي منه خيرًا.

وفي هذا الإطار، فإنّه لمّا تعالت أصوات جمعيّات حقوق الإنسان الغربيّة مندّدة بما يقع في دارفور، وتبعتها حكوماتها في التهديد بالعقوبات والتدخّل العسكريّ في السودان، ثارت ثائرة المتعاطفين مع الانتماء الحضاريّ الإسلاميّ للسودان مدافعين عن حكومته، وعن استقلال قراره، ومكذبين جملة وتفصيلاً ما يُشاع عن أحداث دارفور والصّراع الخطير الدائر في ذلك الجزء من السودان.

ولكن هل وقف أحد منا وتساءل عن إمكانيّة أنْ يقع فعل مثل ما وقع في دارفور وليس خداعًا إعلاميًا غربيًا بحثًا عن هدف جديد بعد أفغانستان والعراق؟

هل نزل المتعاطفون مع الانتماء الحضاريّ الإسلاميّ للسودان إلى أرض الواقع وشاهدوا ما يقع، وتحقّقوا من مجريات الأمور؟

هل كلّف أحد نفسه بسؤال السّودانيّين الآخرين الذين لا يؤيّدون حكومة الخرطوم عن حقيقة ما يجري؟

إنّ مناصرتنا للسودان مجتمعًا ودولة وليس حكومة ونظامًا يفرض علينا أنْ نتبيّن الأمر، فإنْ كان فيه مزايدة أحضرنا بياناتنا التي تبيّن كذب الافتراءات، وإنْ كان في الأمر حقيقة وقفنا مع الحقّ وصدعنا في وجه الحكومة السودانيّة ألا تورط السودان في حرب أهليّة أخرى وفي مشروع تقسيم آخر، وألا تسمح بتآكل العالم العربيّ من أطرافه تعنّتًا وحرمانًا لحقوق مواطنيها في التعبير عن حقهم في العيش والاستقرار والأمن.

المشكلة موجودة ولا بدّ من الاعتراف

إنّ مشكلة ما في دارفور لا يمكن إخفاؤها أبدًا أو الادّعاء بأنّ مليون مشرّد ونازح إنّما نزحوا بدون سبب أجبرهم على ترك أرضهم وديارهم وأموالهم والتجمّع في محتشدات تفتقد إلى أبسط شروط الحياة الإنسانيّة.

وإذا اعترف الجميع بأنّ هناك مشكلة فإنّ بحثًا حياديًا ينبغي أنْ يقوم في أسباب المشكلة، ولا مانع من أنْ تستعين الحكومة السودانيّة، بخبراء من الدول غير الاستعماريّة، بل نقول أنْ تستعين بخبراء من الجامعة العربيّة أو من منظمة المؤتمر الإسلاميّ، وأهمّ الدّول المؤثّرة في سياستها مثل: مصر، والسعوديّة، وماليزيا، وإيران، وتركيا، وتطلب منهم أنْ يشكلوا لجانًا حياديّة من خبراء يعاينون المِنطقة ويحقّقون في المسألة، ويبحثون عن المتسبّبين في الكارثة الإنسانيّة التي وقعت بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد، ويزيلون بذلك أيّ فتيل للتدخّل الدوليّ الاستعماريّ سواء أكان مباشرًا من أمريكا وبريطانيا أو تحت غطاء الأمم المتحدة أو"النيتو"كما حدث مع أفغانستان والعراق.

بل من مصلحة الحكومة السودانيّة ألا تبالغ في المعاندة في إنكار الكارثة؛ لأنّ من مصلحتها أنْ تقبل بتدخّل دول إسلاميّة بخبراء مسلمين؛ ولأنّ المشكلة وقعت بين مسلمين في بلد واحد، خير لها من أنْ تصير إلى تدخل احتلاليّ من أوربا أو أمريكا أو من أيّ طرف آخر، وعندها يصعب التحكّم في الأمور.

كما أنّه من المصلحة للحكومة السودانيّة أنْ تباشر بفتح أبوابها للتعاون في مجال التّحقيق والحماية وحفظ الأمن في المنطقة من قبل الجامعة العربيّة ومنظمة المؤتمر الإسلاميّ والدول غير الاستعمارية؛ لأنّ تتابع الأحداث يؤدّي إلى ثلاثة مخاطر كارثيّة على الحكومة والدولة والمجتمع:

أولّها ـ أنّ تمادي المشكلة، واستمرارها، وإصرار المجتمع الدولي على اتهام الحكومة السودانيّة بالضلوع في التصفية العرقيّة قد يوصلها أو بعض أعضائها إلى محكمة جرائم الحرب .

وثانيها ـ أنّ تماديها في الامتناع عن طلب العون من العالم العربيّ والعالم الإسلاميّ من جهة وعدم قدرتها على التحكّم في الأمور من جهة أخرى يؤدّي إلى انهيار هيبة الدولة وغياب القانون ونشأة بل وتكاثر المليشيات المسلّحة التي قد تزيد من حجم الكارثة.

و ثالثها ـ فهو خطر التقسيم الذي يرعب كل مسلم يستشعر مدى خطور هذه الاستراتيجيّة التفكيكيّة التي يراد لها أنْ تزدهر في العالم الإسلاميّ، ولذلك جعلناه في عنوان هذا المقال.

خطر التقسيم:

إنّ خطر التقسيم أكبر المخاطر التي تهدّد السودان في وحدته الترابيّة والسياسيّة، كما تهدّد بتآكل العالم العربيّ من أطرافه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت