فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 27364

محمود كعوش

الخوض في موضوع الديمقراطية الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص على خلفية تطويعها لازدواجية المعايير تمثلًا بما هو حاصل مع موضوع السياسة الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص، وذلك عندما يتعلق الأمر بالمسلمين عامة والعرب خاصة، لا يعني بحال من الأحوال التنكر لأهمية الديمقراطية وضرورة إرساء قواعدها في العالم الإسلامي والوطن العربي.

فالمسلمون والعرب كانوا ولا زالوا يناضلون من أجل ردم الهوة بينهم وبين حكامهم، وتمهيد الأرضية الصالحة للديمقراطية وإشاعتها في بلدانهم.

لكنهم يسعون وراء ديمقراطية تتواءم مع واقع حالهم وتعاليم دياناتهم وعاداتهم وتقاليدهم لا وراء ديمقراطية مستوردة من الغرب لم تعد هي بالأصل موجودة فيه أو ديمقراطية تُفرض عليهم فرضًا وتكون وفق المقاييس الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص، ووفق ما تفترضه الاستراتيجية الأميركية - الإسرائيلية المشتركة. وعلى مدار أكثر من أربعة أعوام أعقبت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، تواترت التصريحات الشفهية والخطية وما تزال تتواتر في وسائل الإعلام الغربية المرئية والمسموعة والمكتوبة، الصادرة عن كبار المسؤولين الغربيين وبالذات الأميركيين بدءًا بالرئيس جورج دبليو بوش وانتهاءً بأصغر موظفٍ في الخارجية والبنتاغون حول إصرار وعزم الولايات المتحدة الأميركية على فَرْض"ديمقراطيتها"على المسلمين بشكل عام والعرب بشكل خاص.

وأستذكر في هذا المقام ما جاء في مقالة لوزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول نشرتها له صحيفة"نيويورك تايمز"في عددها الذي استقبلت به الفاتح من العام الميلادي 2004، لأن ما جاء في المقالة صور ذلك الوضع بشكل واضح لا لبس فيه.

قال باول يومها:"إن جهودنا في أفغانستان ستستمر في عام 2004، فإننا عاقدو العزم أيضًا على تحويل هدف الرئيس"جورج دبليو بوش"الخاص بشرق أوسط حر وديمقراطي إلى حقيقة واقعة. سنقوم بتوسيع مبادرة الشراكة الأميركية - الشرق أوسطية لتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي في جميع أنحاء المنطقة، كما أننا سنقف إلى جانب الشعب الإيراني وغيره من الشعوب التي تعيش في ظل أنظمة مستبدة أثناء نضالها في سبيل الحرية".

وأضاف باول:"لقد شعرت إيران بضغطنا وضغط حلفائنا المتواصل عليها للكشف تمامًا عن برنامج أسلحتها النووي، وقد بدأت القيام بذلك."

كما نبذت ليبيا الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل بفضل استراتيجية الرئيس بوش القوية في مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل"."

لم يُشر وزير الخارجية الأميركي السابق حينذاك إلى أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية بالطبع مثله مثل جميع السياسيين الأميركيين وعلى رأسهم جورج دبليو بوش.

و كان هذا غيض من فيض ما جاء في مقالة كولن باول"العتيدة"قبل عامين.

لكن ما تلاها من مقالات خطها باول بقلمه حول الديمقراطية الأميركية"الموعودة"وما أعقبها بقلم خليفته كونداليزا رايس كان أدهى وأمر!! وتوارى عام 2004 ثم توارى بعده عام 2005 وولجنا الشهر الأول من عام 2006 ولم يتحقق شيء من"ديمقراطية"الولايات المتحدة"الموعودة"!!

11 سبتمبر/ أيلول 2001

منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 والحديث المتواتر بعصبية وتوتر عن الأصولية الإسلامية والإرهاب العربي يتوازى مع الحديث عن"محاسن ومزايا"الديمقراطية الغربية وضرورة إرساء دعائمها في الشرق الأوسط عامة والوطن العربي خاصة، إن لم يكن بالترغيب فبالترهيب. ويومًا بعد آخر بدأت وتيرة هذا الحديث تتصاعد أكثر فأكثر.

ومنذ ذلك التاريخ، تحوّلت الديمقراطية إلى سلاح تُشهره الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص وبلدان الغرب بشكل عام في وجه أي بلدٍ إسلامي أو عربي لا ينصاع للإرادة الأميركية ـ الغربية المشتركة، ولا يستجيب لمتطلبات الاستراتيجية الأميركية - الإسرائيلية ومشروعها الاستعماري التوسعي في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك الوطن العربي بالطبع. والحقيقة أن هذه الديمقراطية قد عفا عنها الزمن وأصبحت أثرًا بعد عين، أكان ذلك في الولايات المتحدة الأميركية أو في العديد من بلدان الغرب.

وهنا قد يجوز لي استثناء اسكندنافيا بشكل عام والدنمارك بشكل خاص... وربما فرنسا إلى حد ما. وهذه الديمقراطية لم تعد سوى شعارٍ أو يافطة للمشروع الاستعماري التوسعي، لإعطائه"المشروعية"وإضفاء الصبغة الواقعية عليه، وبالأخص فيما يتعلق منه بمنطقة الشرق الأوسط، وعلى أخص الخصوص الوطن العربي.

وكما أن السياسة الأميركية خاصة والغربية عامة تكيل بمكيالين عندما يتصل الأمر بالشرق الأوسط وبالأخص بالوطن العربي، فإن الحال هو كذلك مع الديمقراطية التي أصبحت ظرفية وتتلوّن وفق الظروف والأهواء والمصالح ومتطلبات السياسة.

غُيبت الديمقراطية مع تحول العالم إلى أحادية القطبية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت