الدكتور علاء الدين زعتري
المتأمل في حال المجتمعات الإسلامية وبخاصة في القرن الأخير، وكيف غزاها الانحراف والتغريب بواسطة أعداء الإسلام، يجد أنها لا تخلو من حالين:
الحال الأولى: حال المجتمعات التي يكون الغزو فيها مباشراً؛ وهي المجتمعات الإسلامية التي لم تكن لها مرجعية علمية، أو هيئة شرعية تذكر، تقف سدًا منيعاً أمام ذلك الغزو. فهذه سهل اقتحامها واستباحتها من العدو وعملائه اللادينيين.
الحال الثانية: حال المجتمعات التي يكون فيها الغزو من خلال (وسيط) أو (ناقل) يلبس لباس الإسلام. وهي المجتمعات الإسلامية التي تأوي إلى مرجعية علمية أو هيئة شرعية في معظم أمورها أو في النوازل التي تحل بها، مع ارتباط (شرعي) بولاة أمرها.
وعندما فشل الأعداء بالغزو العسكري ـ وقد أعادوا الكرة في العراق ـ لجأوا إلى الغزو الفكري في سبيل صرف الأمة عن دينها.
ويستخدم الأعداء مجموعة من أبناء الأمة من خلال تيار ما يسمى (بالعصرانيين) الذين ظنوا بجهلهم أنهم يوفقون بين أحكام الشريعة ومتطلبات العصر، ولكنهم أصبحوا كما قال ألبرت حوراني:"قنطرة للعلمانية عبرت عليها إلى العالم الإسلامي؛ لتحتل المواقع واحداً تلو الآخر".
ومن ثم يكون مصير أفراد دعاة العصرانية مصير أي وسيلة استخدمت فاستنفذت أغراضها.
ومن المؤسف أن تتسلل الأفكار العصرانية إلى عقول بعض الإسلاميين الصالحين، فأخذوا يرددون مصطلحات التجديد والتطوير، ويصفون الآخرين بمصطلحات: التقليد والجمود، وطالبان والإرهاب، وذلك في مقالاتهم وكلماتهم، جهلاً أو غباءً منهم بخطورتها ومآلها على البلاد، وانخداعاً ببهرجها، وظناً منهم بأنها ستُبَلِّغهم أهدافهم.
مع أن القارئ للأفكار البراقة وللتاريخ الحديث يعلم أن مثل هذه الآراء لم تكن سوى أحبولة صنعتها يد المكر؛ لاستباحة ديار المسلمين وعقولهم واقتصادهم، وأنها لم تحقق للمسلمين إلا مزيداً من الذل والصغار والخضوع للأعداء، فضلاً عن التفريط بمهمات الدين وشرائعه.
ومن مظاهر تسلل هذه الأفكار:
القول: بأن كل موحد لله يدخل الجنة، دون اشتراط الإقرار بنبوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم !.
الدعوة إلى إقامة (المجتمع المدني) !.
الحديث عن المرأة في الإسلام؛ على أنها المظلومة المسكينة، التي تجد كرامتها، والتفتيش عن أقوال شاذة تدعم إظهار جسدها، وصحة اختلاطها مع الرجال، وجعل الحجاب معللاً بالعفاف!.
الحديث عن الإسلام والعلوم الشرعية على أنها تراث، وليس ديناً، والفرق واضح بينهما، فالتراث من صنع البشر قابل للتغيير والتطويع.
ألا فليأخذ الدعاة حذرهم ويتبصروا أمرهم وما يكيده الأعداء لهم، فلا ينساقوا وراء الأفكار العصرانية مهما تزخرفت وتزينت كما انساق غيرهم، فيكون حالهم مع مجتمعهم كحال من:
رام نفعاً فضرَّ من غير قصدٍ *** ومن البر ما يكون عقوقًا
الأفكار التي كان الاحتلال يريد ترويجها بين المسلمين عن طريق (العصرانية) :
1-التقريب بين المسلمين والكفار، وقد ابتدأت جهود محمد عبده في هذا الأمر عندما كان منفياً في بيروت حيث أسس جمعية للتقريب بين الأديان كما سبق- ومن أقواله:"نستبشر بقرب الوقت الذي يسطع فيه نور العرفان الكامل، فتهزم له ظلمات الغفلة، فتصبح الملتان العظيمتان: المسيحية والإسلام وقد تعرفت كل منهما على الأخرى، وتصافحتا مصافحة الوداد، وتعانقتا معانقة الألفة، فتغمد عند ذلك سيوف الحرب التي طالما انزعجت لها أرواح الملتين"!.
2-إماتة روح الجهاد في الأمة الإسلامية، ولهذا كان محمد عبده يرى بأن الجهاد في الإسلام هو للدفاع فقط! ويقول:"القتال فيه أي الإسلام- لرد اعتداء المعتدين على الحق وأهله". وهكذا كان رأي تلاميذه من بعده.
3 -الدعوة إلى"تطوير الإسلام لكي يوافق الأمر الواقع في حياتنا العصرية؛ من خلال: فتح باب الاجتهاد على مصراعيه؛ حتى دخل منه القادر وغير القادر، وصاحب الورع وأصحاب الهوى؛ فظهرت الفتاوى الشاذة من جراء ذلك."
وللشيخ محمد عبده نصيب كبير من هذه الفتاوى (العصرية) التي طوعت أحكام الإسلام لما يريده الأجنبي أو ما يريده أهل العصر؛ كفتواه بإباحة ربا صناديق التوفير!.
4-الدعوة إلى تحرير المرأة المسلمة، وهو هدف أساس لدى أعداء الإسلام في كل حين وآن، وقد قام الشيخ! محمد عبده ومدرسته بتحقيقه أيما تحقيق.
فمخاطبة الرجل للمرأة ينبغي أن تكون بغرائزها، لا بعقلها وفكرها.
كيف صُنعت العصرانية؟!
لقد استخدم الإنجليز في مصر بقيادة كرومر خطة ماكرة في سبيل صناعة الطائفة العصرانية وتقديمها لأبناء المجتمع المصري المسلم كممثل للصوت الإسلامي.
ومن المهم جدًا معرفة نقاط هذه الخطة الماكرة؛ لأنها مما كرره ويكرره الغرب وأذنابه في مختلف بلاد المسلمين؛ ليحذرها أهل الإسلام لا سيما الدعاة -. فإليك ما تبين لي منها: