فهرس الكتاب

الصفحة 2345 من 27364

يوسف الحجيلان 12/1/1423

من المتفق عليه عند كل أحد: أن الأمم ليست تراباً ولا سماء ولا شجرة بل ولا إنساناً ؛ إنما هي ما سبق وفوقه المثل والتقاليد والنظم والثوابت التي تنبئ عن عقلية تلك الأمم وخلفياتها وتاريخها ومجموع تجاربها , وعن عصارة الفكر وما أمكن استنتاجه عبر التاريخ من نتائج صنعتها الأحداث وحّنكت صُنّاعها التجاربُ والأزَماتُ .

إن الصورة المثالية لما يعيشه الغرب -وبالذات الأمريكي- من ديمقراطية في الطرح وحرية في الانتماء , وعدالة في المقاضاة , وقدرة على وضع سيف القانون فوق كل رقبة - وإن كانت رأس الهرم -إنها صورة لم تبهر الأمة الشرقية فحسب , بل وجد من الأمم من عدّل كل شيء حتى أبجديات الكتابة ليصير غربياً كما الحال في تركيا .

ولا غرو ! إنها حياة مثالية تبعث على الإعجاب والإشادة .

لقد عاش الكثير من ا لمسلمين وسط المجتمعات الغربية , وأمكنه الواقع المعيشي في ذلك العالم أن يحافظ على كل كيانه دونما إشكاليات . حرية في الزي والتنسّك والمأكل وحتى التصويت الانتخابي في وضعية استحال وجودها في الغالبية من بلاد الإسلام . كل هذه التراكمات جعلت التغريب -ليس فقط المادي التقني بل حتى الفكري الأيديولوجيّ والاجتماعيّ- همًا يراود قطاعاً من أرباب القرار وصُنّاع الفكر في مساحات شاسعة من بلاد المسلمين .

إن عقدة الغربي تعدتْ مجردَ الإعجاب بالإنسان ذاته -أقصد الغربي- لتتجاوز ذلك عند الإنسان الشرقي إلى الصناعة والمأكل واللباس ومفردات اللغة والحركة والتمثيل والأغنية والنمط الحياتي بكل أصنافه .

ولو تتبعنا الأمر لوجدنا ذلك كله راجع إلى إعجاب الشرق بمثاليات الغرب , وأسلوب إدارته لحياته الاجتماعية , والذي تحرر فيه ذلك الإنسان من كل عبودية للبشر يفرضها الخوف من عقدة الفوقية والتسلط والقدرة على ثني النظام والقانون وفق مصالح فئات من المجتمع دون أخرى .

غير أنه يبقى هناك قواعد لا يمكن للبشر ولا لتطورهم التقني المادي أن يعدل فيها أو يصرِّفها وفق هواه ومشيئته , ألا وهي: أن كل نظام يمليه واقع معين , وتقدره المصلحة الظاهرة , ويكتب أبجدياته البشر - فإنه نظام مهزوز لجهل البشر بكثير من مصالحهم , إذ المصلحة ربما كانت خلاف الظاهر , وربما كانت المفسدة الظاهرة حبلى بمصلحة لا يعلمها البشر ؛ لقصور نظرتهم على ظواهر الأمور ، وجهلهم بمغيَّبَاتها ، وهذا واقع النظام الغربي الذي أملاه سنوات من الهدوء والراحة فرضتها القوة المادية , وغياب العدو الحقيقي الفاعل , وحصر الأعداء بدول يتعامل معها وفق نظم وأسس لا دخل للحياة الاجتماعية بها في كثير من الأحيان .

وعليه فإن صُنّاع القرار الغربي، وساسة الفكر والعدالة ، وكل منظري الحياة الاجتماعية في ذلك العالم -لم يتنازعوا أو سَحَقَتْ أصواتُ الغالبية الثائرة منهم أصواتَ الأقلية المبحوحة في انقلاب أبيض مريع مشين يوم الحادي عشر من سبتمبر , أُودعت فيه كل النظم والتقاليد والأعراف وحقوق الإنسان والحرية والعدالة - درج الأرشيف, وربما إلى غير رجعة .

سماح بالاعتقال بلا محاكمة .

منع انفراد المتهم بمحاميه .

نقل المتهم مكبلاً إلى الطائرة , وعدم السماح له بمجرد أخذ أمتعته من شقته .

الاقتحام والتفتيش دون استئذان أو سابق إنذار .

الاعتداء تحت مرأى ومسمع رجال الأمن على حرمات فئة كانت بالأمس جزءاً من المجتمع .

وفوق ذلك كله هجمة شرسة للإعلام , ودون أي مسوّغ على كل جزئيات وكلّيات تلك الفئة , بداية من الذات المحسوسة وانتهاءً بالفكر والمعتقد , ثم إعطاء الضوء الأخضر لعباقرة صناع السلاح والتخطيط والتدريب ؛ ليجربوا خبراتهم في بلاد الإسلام ودون حياءٍ أو مواربة ! .

ضربة قاصمة قاضية على كل المفاهيم ؛ تجعل العقلاء من أبناء تلك الأمم في حيرة مما يجري .

إن أعظم الرجال سبقاً وأشد القدرات فاعلية -هي القدرة التي استطاعت زلزلة ذلك الكيان الملحي ؛ ليصير بين يوم وليلة هدفاً لإعلام كان يسميه مثلاً , ويراه نبراساً ويحتذيه علماً يستحق أن يُسعى إليه زحفاً على الصدر لا مشياً على القدم . ثم ينقلب ذلك كله ليتحول ذلك الرمز عدواً حاقداً دكتاتورياً .. إلخ من عبارات ما صاغتها قناعات , بل مصالح اهتزت أسسها وخرب بناؤها .

فيا لها من هزَّة ! ربما لم يسبق مثلها في التاريخ , تلك التي عدلت وبدلت في أدق العقليات والأفكار , وأطول الدهاليز والدروب , وأشدها تعقيداً , كانت يوماً من الدهر تعتبر طيفاً لا يرى له أثر , ولا يسمع له خبر إلا في حدود مشيئة أهلها بعد الله . فلا نظام ولا خطط ولا حياة في العالم الغربي إلا ولدهاقنة الاستخبارات وخبراء مراكز البحث السِّري دور في صنعه , ووضع ضوابطه وفق ما يجعل هذه الأمة أو تلك ترقى إلى مستوى معيشي يراد الوصول إليه , وخِداع العالم من خلاله .

ثم يا لها من ميزة ! تلك التي يمتاز بها نظام الإسلام ومبادئه ؛ إذ لا دخل للعنصر البشري في إملائه , وبناء قواعده , ودراسة جدواه المستقبلية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت