فهرس الكتاب

الصفحة 3427 من 27364

د. سالم آل عبد الرحمن

على الرغم من مظاهر الاتفاق والتعاون المكثفة بين الولايات المتحدة وأوربا في المجالات السياسية والاقتصادية إلا أن حدة التنافس بين أوربا مجتمعة وأمريكا تظهر بشكل حاد في السباق الاقتصادي والتجاري وامتلاك النفوذ الأوسع في حركة الاقتصاد العالمي..

فيظهر الوطن العربي من بين أبرز مناطق التنافس.. فأوربا تحاول جذب الوطن العربي إلى مشروع تعاوني في إطار سياسة عولمة الاقتصاد يسمى مشروع دول (البحر المتوسط) ، حيث عقد لهذا المشروع مؤتمر في (برشلونة) بقصد تأسيس مشاريع تعاونية أوربية - متوسطية مع الدول العربية الواقعة على البحر المتوسط في مقابل كل دول أوربا، وفي ذلك تسعى أوربا لإبعاد الولايات المتحدة عن الدخول في هذه المشاريع.

بالمقابل تسعى الولايات المتحدة لإقامة (السوق الشرق أوسطية) لتتأكد من خلالها السيطرة والحضور الأمريكيان لما لهذه السوق من تأثيرات على التكتلات الدولية أو الإقليمية الأخرى.

فالولايات المتحدة ووفقاً لمنطق مصالحها وأهدافها المرغوبة لا تريد التفريط بالمنطقة التي ورثتها وفق منطق الهيمنة عن الاستعمار البريطاني والأوربي في آسيا وأفريقيا منذ نهاية الخمسينيات.

على هذا الأساس فإن دول المجموعة الأوربية تدرك أبعاد الاستراتيجية الأمريكية فلم تكن متحمسة لقمة عمان في إطار (مشروع الشرق أوسطية) ذلك لأنها ستضع إمكاناتها المالية في خدمة المصالح الأمريكية دون منافع، فجاء رد الفعل الأوربي لأجل مواجهة التنافس الأمريكي بعد أقل من شهرين من عقد مؤتمر عمان.

إن الموقف الأمريكي لا يزال مصمماً في تحقيق السبق عبر مشروعه في (الشرق أوسطية) بالاستفادة من المشاكل الاقتصادية والسياسية التي لا يزال الاتحاد الأوربي يواجهها.. ذلك لأن التفكير الأمريكي رغم التظاهر بالتأييد للاندماج الأوربي إلا أن حقيقة الأمر تؤكد بأن الولايات المتحدة تسعى في إطار الشرق أوسطية إلى احتواء أوربا ومنعها من التحول إلى قطب وقوة عالمية قادرة على إعادة الحركة لمبدأ توازن المصالح والقوى الذي أصابه الجمود بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

ورب سائل يسأل ما هي المظاهر والسياسات التي يقاس فيها على قضية السعي الأمريكي لاحتواء الاندماج الأوربي؟.

وأمر بات واضحاً في ذلك الهدف الأمريكي من خلال الإصرار على هامشية الدور الأوربي فيما يسمى بعملية السلام في الشرق الأوسط سواء في مسار المفاوضات الثنائية أو في التحضيرات لاجتماعات القمة الاقتصادية وإداراتها.. وتبرز هذه المظاهر بشكل جلي في تعمد الولايات المتحدة التعامل مع قضية البوسنة والهرسك وإيرلندا بناء على مبادرات أمريكية والتوصل إلى اتفاقية تحت الإشراف الأمريكي علماً بأنها أزمات في القارة الأوربية.

إذاً فإن الهدف من التواجد العالمي الأمريكي وخصوصاً في أوربا إنما هو رسالة للأوربيين بأن الولايات المتحدة هي القوة العالمية القادرة على ضمان الأمن والسلام العالميين ليس في منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط ولكن في أوربا أيضاً.

وبشكل عام فإن الأنظار الأوربية الطامحة نحو الجنوب في كل من فرنسا وإيطاليا وأسبانيا تحاول جعل النشاط الأوربي مع العالم الخارجي يتجه نحو الجنوب وليس شرق أوربا، فالتفكير الأوربي يتجه نحو تشكيل سوق لدول البحر المتوسط مع الاتحاد الأوربي تشمل كل دول أوربا بالانفتاح على الأقطار العربية (لبنان، سورية، فلسطين، مصر، تونس، ليبيا، الجزائر، المغرب، موريتانيا، والأردن) .

وقد عبر عن الشعور بحدة التنافس الأوربي الأمريكي وزير الخارجية الفرنسي في قمة (برشلونة) حيث قال: إن ثقل الولايات المتحدة جعل المتوسط بحراً خاضعاً للنفوذ الخارجي وللمرة الأولى.

لذلك تسعى أوربا جاهدة لإقناع مجموعة من الأقطار العربية لتشكيل مؤسسات السوق تحت مظلة الفضاء الأوربي الذي يضم بلدان الاتحاد الأوربي الخمسة عشر بلداً ومعها شركاء المتوسط الاثني عشر بلداً، والعولمة الاقتصادية لإمكانات الدول الداخلة في المشروع (البحر متوسطية) حسب المنطق الأوربي، فهي منطقة تجارة حرة لأربعين دولة بـ (800) مليون نسمة، إضافة إلى معالجة شؤون الأمن والهجرة، و (الإرهاب) ، وانتشار أسلحة الدمار الشامل وتنظيم شؤون التجارة ومشاريع النفط والغاز ودعم (الديموقراطية) ، ودعم (حقوق الإنسان) بحيث ينتظم ذلك كله في ميثاق ومؤسسات على شاكلة (مؤتمر الأمن والتعاون الأوربي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت