وعموماً فإن الرغبة الأوربية ما زالت تصطدم ببعض العراقيل التي من شأنها أن تجعل المشروع مجرد دعاية ودعوة إعلانات، وذلك بسبب صعوبة تحديد الإطار الجغرافي الذي يشمل الأطراف المعنية بالمشروع، فأحياناً يفهم بأن المشروع موجه إلى دول الاتحاد المغاربي (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، وموريتانيا) ، في مقابل أسبانيا وفرنسا وإيطاليا ومالطا والبرتغال من أوربا، وأحياناً يشمل المشروع كل الأقطار العربية، فضلاً عن كون المشروع لم يبلغ من التفاعل والاتصالات سوى تبادل الآراء، كما لا توجد أي من القوى الأوربية الكبرى التي تدعمه بعكس دعم المشروع الشرق أوسطي من قبل الولايات المتحدة وعدد مهم من دول المنطقة. كما أن الدراسات في المشروع الشرق أوسطي ودراسات الجدوى لا بل تحديد المشاريع المقترحة والأرصدة وتسمية البنوك قد تمت الإشارة إليها في مشروع الشرق أوسطي.
وتحاول أوربا إقناع الأقطار العربية لتحويل التعاون الثنائي المشتت إلى شراكة ثابتة ومنظمة في إطار هيكلي يقوم على التبادل الحر، ورغم أن تأثيرات هذا التبادل سلبية على الأقطار العربية في المرحلة الأولى، ولكن - حسب الرؤية الأوربية - وعلى المدى البعيد يسمح بتخفيف أسعار وكلفة المواد المستوردة خصوصاً في مجال التصنيع، وترغب أوربا الأقطار العربية بفتح الباب أمام الاستثمارات الأوربية التي تؤدي إلى النمو الاقتصادي، فتحاول أوربا تبعاً لذلك إغراء الأقطار العربية بتقديم مبلغ بالعملة الأوربية يوازي سبعة بلايين دولار مساعدات موزعة على خمس سنوات لـ (12) دولة تضم: (تركيا، إسرائيل، قبرص، ومالطا، إضافة إلى الأقطار العربية) ومبلغ آخر يوازي المبلغ المذكور قروضاً يحددها البنك الأوربي، وهذه العملية تهيئ لأوربا استعادة دورها المفقود في المنطقة وتحويل الشراكة الاقتصادية لاحقاً إلى شراكة سياسية وأمنية.
ومن خلال التمعن والمقارنة بين (الشرق أوسطية) و (البحر أوسطية) نجد بوضوح حدة التنافس القائمة بين الولايات المتحدة وأوربا.. وفي نتيجتها النهائية وأهدافها بعيدة المدى فإن تلك المشاريع تؤدي إلى تشكيل وضع جديد في خارطة الوطن العربي بحيث ينفصل المغرب العربي عن عمقه في أقطار المشرق العربي.
وسواء كانت صيغة العولمة الاقتصادية للمنطقة بتأسيس التكتلات العالمية الاقتصادية نوعاً من التنافس أو نوعاً من الاقتسام فإنها تستهدف بلا أدنى شك النظام العربي - الإسلامي وتحويله من نظام قائم على الركائز الحضارية والثقافية والدينية إلى مجرد نظام يتحور وفق النظريات الاقتصادية وبالتالي تحويل شعبه إلى مجرد ناطقين باللغة العربية.
إن سياسة (العولمة) الاقتصادية في المنطقة تظهر بوسائلها التشطيرية التي تجزئ الوطن العربي بأشكال جديدة (فوق ما هو عليه الآن!) بحيث يصعب على المدى البعيد إعادتها في إطار التوحد والاندماج على المستوى العربي الإسلامي، وبذلك فإن فلسفة المشاريع هذه تؤدي إلى انقسام العرب بين فضاءين متنافسين هما: الفضاء الأوربي الذي يضع تحت جناحيه الأقطار في المغرب العربي، والفضاء الأمريكي والذي يسيطر على أقطار المشرق والخليج العربي، وبذلك تصبح الأقطار العربية في الجزء الغربي منافسة للأقطار العربية في الجزء الشرقي.. في إطار التنافس الدولي الأوربي الأمريكي.. مما يعني وعلى المدى البعيد استهداف كل ما تبقى من عناصر قوة هذه الأمة وتشتيت طاقاتها وإمكاناتها.
إننا بحاجة إلى المشروع العربي - الإسلامي النهضوي الذي يعتمد المصالح الشاملة العليا، وينطلق من أرضية الحد الأدنى للمرونة الواقعية التي تؤكد على الثوابت العقائدية، وتتمسك بمتطلبات الحد الأدنى من الحضور والنهوض العربي الإسلامي المشترك.
إننا بحاجة إلى استراتيجية جديدة قوية نستطيع بفضلها أن نصل إلى مستوى جديد من القدرة على أن نسوس التغيير.. وفق عقيدة تؤمن بأن الصعوبات و (التحديات) يجب أن تحفزنا على التحدي لا أن يصيبنا الشلل، والفتور!.
إننا بحاجة إلى تخطي حالة الإحباط، وتفجير عناصر القوة في مجتمعنا العربي المسلم وفي عقلنا المركب لتجاوز المعوقات (الذاتية والموضوعية) من غير انضواء تحت هذه الخيمة أو تلك (ولا شرقية ولا غربية) ولنصمم مشروعنا الريادي الآن في سويعات الأيام المتبقية أمامنا.. للعمل الموحد بعد أن نؤمن بأهمية الابتعاد المطلق عن دوائر التنافس الدولي المتسارع اليوم، وبأهمية انبثاق التعاون العربي - الإسلامي وبأسرع ما يمكن، ذلك لأن عملية التكافؤ في المصالح لا يمكن ضمانها إلا في إطار ذلك التعاون والذي يمكن أن يظهر بصيغة (سوق عربية إسلامية) قادرة على المنافسة وفرض المطالب التنافسية في الفضاءات الخارجية والتكتلات الاقتصادية، وبذلك تضمن الأمة عنصر وحدتها وإرادتها في الاختيار والقرار.
ذو الحجة 1420 / مارس (آذار) 2000