د . عادل الشدّي *
بين وقت وآخر تطفو على سطح المجتمع السعودي قضايا يسعى أصحابها إلى إحراز تقدم في الاتجاه الذي يريدون جرَّ المجتمع إليه؛ إلا أن عودة سريعة إلى الثوابت التي قام عليها بناء المجتمع تكفي لمعرفة الموقف الصحيح من هذه القضايا والمصير المتوقع لها.
وفي هذا السياق يمكن فهم الربط غير المنطقي بين منتدى اقتصادي يعقد في أكثر دول العالم عناية بالمحافظة على قيم الإسلام وثوابته، وبين نزع بعض المشاركات للحجاب الإسلامي، وخروجهن متبرجات يختلطن بالرجال على هذه الصورة مع تغطية إعلامية غير عادية تكاد تطغى أحياناً على المنتدى الذي دعيت المشاركات له في جدة.
إن الذي أمر المسلمات بالحجاب هو الله - تعالى-، وليس الحجاب عادة اجتماعية بل هو عبادة ألزم الله بها المؤمنات: (( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن الآية ) )، والذي نهى عن التبرج وإبداء الزينة لغير المحارم هو الله - تعالى-، وليس تقاليد المجتمع قال تعالى: (( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) )، واختلاط النساء بالرجال على هذه الحالة التي سبق وصفها أمر ظاهر التحريم والبطلان؛ بل إن الله - تبارك وتعالى - أمر أطهر الأمة قلوباً وهم الصحابة إذا أرادوا سؤال أطهر المؤمنات قلوباً وهن زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون ذلك من وراء حجاب؛ فقال تعالى: (( وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب الآية ) )، وحين نرجع إلى البدهيات المسلَّم بها؛ فإننا نتساءل عن معنى الإسلام؟
أليس هو الاستسلام لله، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك؟ ألم يقل الله - تعالى-: (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) )فكيف يريد البعض من المجتمع أن يتقبل مخالفة ما قضى الله - عز وجل - به، وإباحة الاختيار حينئذ لمن شاءت الالتزام بالأمر ومن شاءت مخالفته؟
إن هذا البعض على قلته يمثل تياراً يتصف بالانتهازية، وخلط المفاهيم، والانتقائية، والتهويل، ومع ذلك فهو تيار لا يتعلم من أخطائه؛ فقد سبق له أن سجل تراجعاً كبيراً حين أقحم على أجندته قبل عقد ونصف تقريباً مسرحية قيادة المرأة للسيارات، وما تبعها من نزع للحجاب، وتصوير مرتب سلفاً، تم تسريبه إلى وسائل إعلامية في الخارج، لكن هذا الفعل أذكى مشاعر الغيرة الدينية؛ بل وكاد يؤثر على تلاحم المجتمع في فترة عصيبة، لولا الله ثم حكمة القيادة السياسية والدينية آنذاك في قصة لا تنسى قُدر لي حضور أحد أهم فصولها في اللقاء الحاشد الذي عقد في مقر الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة الشيخ (عبد العزيز بن باز) - رحمه الله-.
واليوم يتكرر الخطأ بانتهازية تختار أوقات الشدائد والأزمات (احتلال العراق للكويت، وما تبعها من مجيء القوات الأجنبية للمنطقة في الحالة الأولى، والحملة المتواصلة خارجيّاً على السعودية لإلصاق التهم الباطلة بدعم الإرهاب ومناهجه، إضافة إلى أزمة التفجير ومحاولة ضرب الاستقرار داخليّاً، التي تقودها بعض التيارات المنحرفة فكريّاً في الحالة الثانية) .
والسؤال هنا: لماذا لا ينشط دعاة تحرير المرأة على الطريقة الغربية إلا في أوقات الأزمات والشدائد؟ وسؤال آخر: أين دعواتهم المتكررة للوحدة الوطنية، واللحمة بين سائر شرائح المجتمع، والمحافظة على الاستقرار؟! وهي الدعوات التي أصموا آذاننا بها شهوراً متواصلة ثم خالفوا بفعلهم ما دعوا إليه بأقوالهم باستفزازهم لمشاعر الأغلبية ومصادمة الثوابت الدينية.
إن سلاح خلط المفاهيم واتهام المخالفين ليس حكراً على أهل الغلو والتكفير؛ بل وجدنا اليوم أهل الجفاء عن الدين والتفريط في ثوابته يحملون ذلك السلاح، فإذا استنكر أحد نزع الحجاب وتبرج النساء، واختلاطهن بالرجال على هذه الحالة اتهموه بأنه ضد إعطاء المرأة حقوقها، وبأنه يدعو إلى مقاومة مسيرة الإصلاح والحوار التي بدأت تنشط مؤخراً؛ مع أن الثابت أن الإصلاح الحقيقي لا يتعارض مع الثوابت الدينية، وبأن مصدر الحقوق للمرأة وغيرها داخل المجتمع هو شرع الله وليس أهواء البشر.
وتظهر الانتقائية واضحة حين يتم فرز فتاوى العلماء واختيار بعضها وإطراح البعض الآخر، فبينما يتم التأييد للفتاوى التي تبين خطورة التكفير والتفسيق والتبديع وتحذر من التسرع في ذلك؛ يتم تجاهل فتاوى هؤلاء العلماء ذاتهم إذا كان الأمر يتعلق بتحريم التبرج، ونزع الحجاب، أو حتى قيادة المرأة للسيارة ( لما يترتب على هذا الفعل من المفاسد) ، وهذا التناقض يهدد بنسف نظرية المرجعية الدينية في مجال الفتوى باعتبارها صمام الأمان للأمن الفكري لمجتمع يعاني من تياري الغلو والإفراط من جهة، والجفاء والتفريط من جهة أخرى.